لا يظن أحد أن مجرد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على الإرهاب والإرهابيين، دليل الانتهاء والتعافي الدائم، وإنما سيكون بداية الطريق، ومن هنا فإن الإحاطة بمنعكسات الحرب ذات أهمية وتزداد بالوصول لجذورها البنيوية، مضافاً إليها ما نجم عن الحرب من كوارث إنسانية.
ومن هنا موضوع بحثنا يعد من أهم المواضيع وذلك لسببين: أولهما لا يمكن العودة القوية لبلدنا والانطلاقة التنموية ومسايرة إنجازات جيشنا إلا بإعادة اللحمة لنسيجنا السوري الراسم للوحة جميلة لا تمكن تجزئتها، أو إنقاص أي قطعة منها، هذا النسيج الذي كان صلباً عبر عقود من النمو والتنمية القائمة على عدالة اجتماعية رسخت نواتج تنموية في كل المجالات، قبل أن يعمل البعض على إضعافه بالخروج عن النهج الاقتصادي الاجتماعي تحت ذريعة الاجتماعي، ولو تحول النهج لاقتصاد السوق والهدف (تقويض دور الحكومة) القوي الشامل المتمثل بالدور الرعائي التنموي، هذا الدور الذي مازال البعض يحاول الضغط على الدولة لإضعافه وهذا اللعب استثمره الأعداء عبر الإرهاب العسكري وعبر التضليل الاعلامي لتدمير بلدنا، وتحويل الصراع لما قبل الوطني ونجم عن هذا الصراع الكثير من الأمراض كثقافة العنف، التعصب، الأمية، التسرب المدرسي، وغيرها، الأمر الذي أدى إلى حالات من التفكك الأسري، وأمراض اجتماعية خطيرة كالعنوسة، وازدياد حالات الطلاق، والفساد المسرطن، ولو على حساب سفك الدماء واستباحة الأرواح وسيطرة القطاع غير النظامي بشكل كبير، وانحلال قيمي وأخلاقي وانتشار المخدرات والدعارة وثقافات العنف والجهل، بعيداً عن العقل والأنانية المفرطة، ونزوح عدة ملايين بين الداخل والخارج، وفجوة سكانية بفئة الشباب وهجرة العقول والطاقات الشابة.
وكما نعلم فإن الموارد البشرية أهم الثروات، وكم من بلدان فقيرة بالثروات والموارد، تعملقت وتمايزت عبر طاقاتها البشرية، واستثمارها بشكل صحيح. وتالياً فان هذه الكوارث بانتشارها الكبير أفقياً وعمودياً تجعل الجهود الفردية ضعيفة التأثير ولذلك لابد من تكاتف الجميع للتخفيف من سلبيات هذه الأمراض.
ومن المؤكد لم تكن الأزمة لأسباب داخلية وإن استثمرت كبدايات، ولكن البعد الخارجي وعقد ودمّر وقوض الحلول، فمن تآمر أمريكي صهيوني للحفاظ على الكيان الغاصب كقوة مسيطرة، ولتكريس الهيمنة الأمريكية على العالم وللقضاء على حركات التحرر الوطني ومحاولة حرف الصراع إلى طائفي والضغط على الدولة للتخلي عن دورها التنموي الإنمائي الاجتماعي، الذي استمر من خلال بعض الأدوات في ظل عقلانية وواقعية إدارة الأزمة في ظل حجم التآمر وتنوعه من إرهاب عسكري وثقافي وإعلامي وعقوبات وحصارات وابتزازات، ما جعل الموارد محدودة والحاجات كبيرة وأدى إلى تكتيكات لابد من بعض السلبيات للوصول للغايات النهائية بأقل الخسائر الممكنة (فلم يكن في الإمكان أفضل مما كان) مع وجود فاسدين معرقلين لمسيرة الدولة التي أدارت الحرب ضمن الممكن والإمكانات بأساليب متنوعة لتأمين الاحتياجات، قد نراها الآن غير مقنعة ولكن في وقتها كانت حاجة ضمن الحصار، فكانت الأولويات تأمين الغذاء ومستلزمات الجيش وتقوية ثقة الشعب، والانتماء لدولتنا وهذا أضاف تكاليف جديدة لإعادة الحياة للمناطق المحررة وللمهجرين ضمن الإمكانات والقدرات، وتبقى الأولوية بالخلاص من براثن الاستعمار وذيوله، وهذا لن يكون إلا بجهود جماعية يجب أن تكون مجتمعة، وأي تقاعس عن الانضواء الجماعي حالة لا وطنية فبجهود القطاع العام والخاص والمشترك نصل للحل ولإعادة منظومة القيم والأخلاق، عبر إصلاح التعليم كحالة ضبط وانضباط إضافة للمعرفة وتوحيد المناهج بما يعيد الانتماء والوطنية وينظف العقول من الغزو الذي لحق بها، وكذلك إعادة الاهمية والاعتبار للعلم والمتعلمين، بعد أن أصاب الفساد مخرجاته فإما نيل الشهادة عبر الفساد أو شراء شهادات جاهزة من بلدان تريد تهزيل التعليم وعبر أدوات «مافيوية» شريكة لها، وكذلك يجب الاستمرار في ضبط المؤسسات المختصة ومنها الدينية لمواجهة الثقافات الغازية التي حاولت تشويه الأديان وحرفها عن مسارها الإنساني، وكذلك الإعلام والمؤسسات الثقافية والجمعيات الأهلية، والتي كان أغلبها يسعى للظهور والاستفادة على حساب الدور المنوط بها، وكذلك تقوية دور الحكومة ومؤسساتها لإعادة الدور الإنمائي الرعائي والثقة بين المواطن والحكومة.
وتالياً لا مكان للتقاعس واليأس فمصلحة الجميع من مصلحة الوطن ومصلحة الوطن تقتضي علاج أغلب الأمراض لعودة القوة والصلابة إلى مجتمعنا وأن نبعد عن سياسة التخدير الجزئي أو الترقيع أو التأجيل للهروب من واقع سيلاقينا عاجلاً أم آجلاً.
د. سنان علي ديب – تشرين










