رغم مرور آلاف السنين, إلا أن الغرب “الأبيض” لم ينزع عنه -كما يبدو- النزعة الاستعمارية والعنصرية تجاه القارة السمراء, وكأن الإفريقي لا يزال مُحتلاً وكأن القارة السمراء ما تزال حقل تجارب لأوروبا.
الجديد الذي أحيا هذه العنصرية المقيتة ما جاء على لسان طبيبين فرنسيين اقترحا إجراء تجارب سريرية في إفريقيا للقاح “بي سي جي” المضاد لداء السل لمعرفة مدى فعاليته ضد فيروس “كورونا”, وللتأكد من صلاحيته بشرياً.
رغم اعتذار الطبيبين في وقت لاحق عن تصريحاتهما العنصرية المقززة تحت ضغط الانتقادات الإفريقية المتصاعدة وإدانة مدير منظمة الصحة العالمية لتلك التصريحات بوصفها من إرث العقلية الاستعمارية، إلا أن تصريحات الطبيبين المستفزة ليست بالأمر الجديد على أبناء القارة السمراء فمنذ عقود تستولي فرنسا على مقدرات إفريقيا، فيما ينظر الفرنسيون بعنجهية عمياء للأفارقة على أنهم “فئران تجارب” ويعتبرون مستعمراتهم القديمة في القارة الإفريقية “مزرعة خاصة” يعبثون فيها كيفما يشاؤون ومتى أرادوا ذلك، وعليه فقد نمت في ثقافتهم عنصرية واحتقار تجاه “السمراء”، وهو ما يظهر جلياً من خلال تصريحات سياسييهم ومثقفيهم وحتى قنواتهم الإعلامية التي تحولت لمنبر متخصص ببث الحقد وتبرير الفشل وإلصاقه بإفريقيا وشعوبها.
اللافت أن هناك جزءاً في اقتراح الطبيبين الفرنسيين لم يحظَ بالمتابعة من الرأي العام عامة والأفارقة خاصة, وهو قولهما: “لم لا نجرّب لقاحات كورونا على الإفريقيين، حيث لا أقنعة واقية ولا أدوية ولا إنعاش، كما جرّبنا علاج الإيدز على فئة من نسائهم”, ما يؤكد أن فرنسا كانت ولا تزال حتى الآن تتعامل مع الأفارقة كمختبر للتجارب في جميع المجالات الصحية والغذائية بالإضافة للتجارب الكيميائية والبيولوجية.
لا يختلف اثنان على أن هذه التصريحات المقززة والمدججة بقالب العنصرية و”فلسفة” المستعمر الجديد, تشير بوضوح فاضح إلى نزعة فرنسا الاستعمارية القديمة وكشفت حقيقة من يتغنون بحقوق الإنسان في الدول الأوروبية، والذين يتعاملون بمكيالين عندما يتعلق الأمر بالشعوب الإفريقية التي ينظر لها الغرب الاستعماري على أنها شعوب من “الدرجة الدنيا”.
الأكيد أن تسويق أي دواء يتم اكتشافه يتطلب بداية إجراء بعض التجارب السريرية لمعرفة مدى فعاليته وسلامته للاستخدام البشري، وعليه فإنه يجب إجراء التجارب بشكل متوازٍ بين أوروبا وإفريقيا, وألا تلجأ الدول الاستعمارية إلى مستعمراتها السابقة لإجراء تجاربها بلا ضوابط أو معايير سوى عقليتها الاستعمارية.
صفاء إسماعيل – تشرين










