كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يدافع عن مبدأ (خذ وطالب) وقيل أنه قال للمقربين منه عندما اتهموه بأنه تخلى عن ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية عندما قبل التفاوض مع “إسرائيل” في أوسلو: (أنا أرضى بدولة ولو بمساحة كرسي)!.
هذا كلام قيل، ولن أتبناه بالمطلق، ولن أزعم أنه مجرد شائعة الغرض منها تشويه صورة “أبو عمار” أمام الشعب الفلسطيني، وأمام العرب عامة، ولكن الذي حصل منذ اتفاق أوسلو وحتى يومنا هذا أثبت أن مقولة “خذ وطالب” كانت فاشلة بامتياز، وتسببت في ضياع الحقوق الفلسطينية وجعلت “إسرائيل” تقضم الأراضي الفلسطينية قطعة إثر قطعة.
كانت “عملية السلام” التي بدأت في مؤتمر مدريد عام 1991 تقوم أساساً على مبدأ (الأرض مقابل السلام) أي أن تستعيد الدول العربية أراضيها المحتلة مقابل أن تحصل “إسرائيل”، والمنطقة عموماً، على السلام، على أن تشهد المنطقة عملية تنمية شاملة تؤدي إلى الرخاء وتحسن أوضاع دول المنطقة في أجواء السلام!.
لكن نيات “إسرائيل” كانت واضحة جداً في ذلك المؤتمر نفسه عندما عرض رئيس حكومة الاحتلال حينذاك “رؤيته” للعملية السلمية، والتي كانت تقوم على مبدأ “السلام مقابل السلام” أي أن يتخلى العرب عن الأراضي التي تحتلها “إسرائيل” مقابل أن يحصل العرب على (السلام!) أي ترفع عنهم سيف الحرب والعدوان، وهذا الطرح يحمل كل معاني التهديد باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية في حال لم يتخلوا عن أراضيهم المحتلة، والمضحك المبكي في الأمر أن شامير أراد تبرير هذه (الرؤية) التوسعية بقوله:” إن العرب يملكون أراض شاسعة من الخليج إلى المحيط وعليهم عدم المطالبة بأراض صغيرة في فلسطين وسورية ولبنان!”.
لم يدرك معظم العرب ما وراء خطاب شامير، وما وراء المخططات الإسرائيلية، وسار هؤلاء في العملية فخرج الجانب الفلسطيني عن الإجماع العربي عبر “اتفاق أوسلو” وما تلاه من مفاوضات تنازلية، وخرج الجانب الأردني “باتفاق وادي عربة”، فاكتمل عقد (الدول) التي قدمت كل ما عندها من تنازلات، حتى وصل الأمر إلى قاع القاع، ولم يعد هناك شيء يمكن التنازل عنه إلا الكرامة، وهكذا كان، نعم تنازل البعض عن الكرامة!.
وإذا كنا نستعيد كل هذا المسلسل التنازلي، وباختصار شديد، فلأننا وصلنا إلى نقطة تحت مستوى الصفر، فهاهي “إسرائيل” تقضم اليوم ما تبقى من الضفة الغربية بمباركة، وقرارات أمريكية تامة، لم تعد هناك مقدسات، سقطت كل مواد ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، وذهبت القدس بقرار أمريكي– إسرائيلي مشترك، ولم يصمد “الكرسي الذي هو بحجم دولة، أو دولة على مساحة كرسي”!.
الضم يجري على قدم وساق، والوعود تنهار واحداً تلو الآخر، باستثناء الوعود الأمريكية لـ”إسرائيل” بأن تظل أقوى من كل دول المنطقة مجتمعة كي تكون قادرة على “قيادة” هذه المنطقة، وأن تظل الدول العربية دويلات متناحرة منقسمة على نفسها تغزوها أفكار طائفية ومذهبية وعرقية تذهب بهذه الدول إلى التهلكة، بحيث تصل تلك الدول إلى دويلات على مساحة الكرسي!
عصام داري – تشرين










