العملية الإعلامية، لم تَعُد سلاحا عاديا فقط في المعركة ميدان المعركة، بل أصبحت سلاحا فتاكا، بعد أن أدخلت الثورة التكنولوجية، والقفزة الكبرى في تطور وسائل وتقنيات الاتصال، العملية الإعلامية في مسار نوعي لم تكن البشرية تتوقع الوصول إليه بالسرعة التي تمت، في ثورة مستجدة قال عنها أحدهم بأنها حضارة الموجة الثالثة، حضارة ثورة الاتصالات والمعلومات والتغيير المتسارع.
.jpg)
الإعلام العربي كجزء من الإعلام العالمي، توسّع بدرجة غير مسبوقة، وتحديدا مع انتشار الفضائيات الناطقة باللغة العربية وانتشار المطبوعات والصحف اليومية انتشار النار بالهشيم، إلى درجة أن مراقبة خريطته الآن أصبحت مسألة على قدر كبير من الصعوبة، وإن كان من الممكن تلمس بعض خطوطها العريضة واتجاهاتها العامة. وقد أدّت طفرة الانتشار للفضائيات العربية والصحف والمطبوعات لتعاظم حاجة لإعلاميين مهنيين يحترفون مهنة الصحافة المسموعة والمرئية، التي راحت تستقطب دون معايير مهنية أغلب الأحيان، وهو أمر إساءة لمهنية الإعلام ولرسالته المنشودة.
لقد بقي الإعلام العربي أسير النمطية والتقليد، ومتفاوتا في أدائه بين بلد عربي وآخر. فالنمطية والتقليد، واعتماد البرامج المستوردة وتعريبها، والتلقين والنقل والاقتباس والمحاكاة للدراسات والبرامج الغربية، وتهميش وغياب الرؤية النقدية، وتهميش للأفراد الجادين، كلها عوامل وضعت الإعلام العربي في بلادنا ومنطقتنا، ووسائله المختلفة من محطات إذاعية وفضائيات ومحطات أرضية، وصحف ومطبوعات يومية ودورية، أمام سدود من الانقطاع والابتعاد الفاعل عن الحراك والتأثير وسط الشارع بالشكل المطلوب، حيث كان يفترض به أن يسهم بشكل كبير ومؤثر في تعزيز الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي والوطني بشكل عام، وتدعيم القيم والمشاركة السياسية، وتوعية الناس بما يدور حولهم من أحداث ومواقف، سواء على المستوى الداخلي الفلسطيني والمتعلق بالقضية الفلسطينية والخارجي، أو على المستوى المتعلق بالأهداف البعيدة التي تحملها رسالة الإعلام، وفي إحداث تغيير جذري في حياة المجتمع، خاصة عندما يكون هذا الإعلام منظما، ويسير وفق لسياسة إعلامية تخدم المجتمع وقضايا الأمة المصيرية، وعناوين التنمية والنهوض، كما تخدم المشروع الوطني الفلسطيني وهو يواجه لحظات مفصلية من الصراع مع الغزو الاستيطاني الصهيوني لأرض فلسطين.
العملية الإعلامية، لم تَعُد سلاحا عاديا فقط في المعركة ميدان المعركة، بل أصبحت سلاحا فتاكا، بعد أن
أدخلت الثورة التكنولوجية، والقفزة الكبرى في تطور وسائل وتقنيات الاتصال، العملية الإعلامية في مسار نوعي لم تكن البشرية تتوقع الوصول إليه بالسرعة التي تمت، في ثورة مستجدة قال عنها أحدهم بأنها حضارة الموجة الثالثة، حضارة ثورة الاتصالات والمعلومات والتغيير المتسارع. فالوسائط الإعلامية الراهنة تأتت بتطور متدرج، وتناسلت بعضها من بعض، فالمسلسلات التلفزيونية على سبيل المثال تتبع نموذجا سابقا عليها هو نموذج المسلسلات الإذاعية، وهذه بدورها لم تكن غير محاكاة للروايات المكتوبة التي كانت تنشر على حلقات قبل أن تتحول إلى كتب، حيث كان التعبير الرائج في القرن التاسع عشر بأن (العالم كتاب) في إشارة لدور الكتاب في العملية الإعلامية، كما في دوره في عملية التدوين والتأريخ. لكن تلك المرحلة تواصلت في تحولها مع دخول العملية الإعلامية أطوارا جديدة من التقدم المرتكز على تطور وسائل الاتصال، لتصبح مرحلة ما قبل (الهاتف) تختلف كليا عن مرحلة ما بعده، كذلك الأمر فإن مرحلة (الفاكس والحاسوب وشبكة المعلوماتية) تختلف عن ما قبلها، وصولا إلى الحقيقة الراسخة الآن التي باتت تشير بوضوح بأن (عالم الإعلام اليوم) لم يعد كتابا ولا مكتبة ولا صحيفة ولا مجلة فقط (مع أهمية تلك الوسائط ودورها المتجدد والمستمر وضرورة بقائها وإدامتها وتطويرها) وإنما شاشة ضوئية رقمية أو تماثلية، خاضعة بدورها للتطور اللاحق المفتوح الآفاق.
وحقيقة، إنَّ العواصف الجديدة التي هبت على عالم الإعلام، والمقصود بها تطور تقنيات ووسائل الاتصال خاصة الإنترنت ومنتجاته في المعلوماتية والكتاب الإلكتروني، فضلا عن الجريدة الإلكترونية، ودخول أجيال جديدة من الأقمار الاصطناعية يقارب عددها الـ(200) قمر في مجال الاتصالات التلفزيونية والعمل الإعلامي، جميعها وضعت المسألة الإعلامية في العالم العربي والإسلامي أمام مفترق طرق، حيث اختلاط المشهد الإعلامي بكثير مما يسميه البعض “الفوضى والدهشة” وصدمة المستقبل في عصر السرعة، حيث المعلومات الموثقة والمنشورة تقول إنَّ ثمة (13) ألف قناة فضائية في العالم، منها (7500) قناة مشفرة و(5500) مجانية. وفي منطقة الشرق الأوسط وحدها، ثمة (696) قناة تبث من (17) قمرا صناعيا، يشاهدها أكثر من (150) مليون مشاهد للقنوات المفتوحة، بينما (42) مليون للمشفرة منها.
وعلى ضوء تلك المعطيات المتعلقة بعدد قنوات البث المسلطة على المنطقة، لا يُمكن الاستهانة بمدى فاعلية الفضائيات وتأثيرها الواضح على أفكار واتجاهات وسلوك الناس وبالتالي في بناء الرأي العام, ومن تابع مدى تغيّر الرأي العام منذ بداية البث الفضائي بدايات تسعينيات القرن الماضي وإلى اليوم، لا بد أنه لاحظ مدى قدرة الفضائيات الموجهة على التأثير على الشارع والناس, والكل يتذكر أيضا كم كان لبعض الفضائيات الغربية من تأثير على الرأي العام العالمي بالنسبة لفلسطين وعموم قضايا المنطقة، مقابل الدور الجيد الذي لعبته بعض الفضائيات ووسائل الإعلامية الوطنية في المنطقة في مواجهة المشاريع والمخططات الصهيونية، ما جعل دولة الاحتلال تُطالب بإيقاف بث هذه الفضائيات في بلدان عديدة في سياق السعي من أجل تقييد حرية الإعلام والعملية الإعلامية، والتحايل على النصوص والمفردات والبديهيات المتعلقة بحرية الإعلام، عبر ابتداع وإطلاق وسوق مبررات بهدف خلق تطبيق آخر مبرمج، يقوم على ليِّ عنق الإعلام ذاته، ووضع العملية الإعلامية على مسار واحد من الاستخدام الحادي، الذي يرفض التعددية الفعلية، وينكر الآخر، ويحاول خلق رأي عام باتجاه واحد بعيدا عن المهنية الإعلامية، وعن المصداقية، وبالتالي تغليب الرؤى الأحادية، وغالبا ذات الطبيعة التسلطية التي تستضعف الآخرين.
أخيرا، علينا أن نكسر حدة الهجوم الإعلامي العولمي الابتلاعي، وأن نؤسس لإعلام عربي حقيقي، يستطيع أن يكاسر عملية العولمة الإعلامية وحيدة الاتجاه، وأن يبني إعلاما عربيا متميزا ومرموقا، يستطيع أن يترك تأثيره على الناس، وأن يساعد على بناء ثقافات وطنية خالصة، وذات بعد إنساني.
الوطن العمانية – علي بدوان











Discussion about this post