هذا الجسد الهزيل والوجه الذي تتقاسم فوق جبهته صدى وأصوات الحياة التي تصور قصة الشعب الفلسطيني، ليس لأنه «ماهر الاخرس» الذي أنطقنا جميعا، وأعاد فينا حالة الصمود الاسطوري لأبناء شعب فلسطين، يقلب الاوراق جميعها، ويجسد وحده حالة لا تشبه أحدا، لا بل هي الحالة التي لا تنصاع الا للضمير والارض والوطن..
حالة «الاخرس» الصامته دوليا ومن على أبواب منظمات الدفاع عن حرية الافراد، والفكر، إنه «الاخرس» صاحب الكلمة الفصل، الذي شارف اضرابه عن الطعام على اليوم المائة، في صورة صمود غير عادية جسدها بقلبه وعينيه وجسده المائل الى الشهادة او الحرية، في صورة هي الاقرب لنا جميعا، هي صورة الوطن الساكتة في حناجرنا، ماهر الاخرس، صمت وغاب جسده بصمت وأنطق حواسنا جميعا..
«الاخرس» رفض الظلم، رفض الانصياع لعدالة الاحتلال والمحكمة الاسرائيلية، بأن يتهم اداريا بدون محاكمة وبغير وجه حق، فقد قضى الشاب صاحب الـ50 ربيعا ستة أعوام داخل السجون الاسرائيلية تحت عنوان «التوقيف الاداري» وعاد الاحتلال ليقتلعه من اسرته المكونة من ستة افراد هو المعيل لهم ووالدته أول أيام عيد الاضحى، فالمشهد أصبح عاديا في بيت «الاخرس» مثله كآلالاف من ابناء الشعب الفلسطيني، الذين تربى أطفاله على رؤية همجية الاعتقالات التي لا تعرف زمنا، أو نهجا، بل لا تعلم الا تفاصيل التخريب والاساءات اللفظية، والتكسير..
إنه «الاخرس» يا سادتنا الكرام الذي تجاوزنا بآلاف الاميال ليعلمنا وزملاؤه القابعون في غياهب سجون الظلم والقهر، كيف نحافظ على ضمائرنا، وكيف نصيغ حروف الوطن من جديد رغم مرور 72 عاما على نكبتنا و53 على نكستنا، الا انك يا أيها « الماهر « قهرتنا بعنفوانك وصبرك وتحديك، فتلك هي القصة التي ما زلنا فيها نبحث عن هوية وهدف وفكر، وارادة، وها أنتم دوما تعلمون العالم كيف تصيغون كل مفاهيم الكرامة، ورفض الظلم..
«الماهر» يريد حرية أو استشهادا، ولا خط يفصل بين هذين المطلبين، الا قرار الاضراب عن الطعام، الذي قهر جسده وحول عمر الخمسين الى كهل ينتظر لحظة رؤية اسرته وأمه التي تنتظر أمام باب غرفته على كرسي متحرك، يحمل من الارادة والصبر ما تحمله أمهات الكون، حولت الكرسي الى صرخة على ظهر دبابة أمام الجندي بأنها تريد ان ترى «ماهر».. بلا جدوى، لكنها ما تزال تواصل على باب غرفته بقوة وثبات الى حين غد أفضل..
«الاخرس» من علمنا صياغة حروف حياتنا، لم يبتسم من مئة يوم الا عندما اقتلعت طفلته الصغرى ابنة الست سنوات هجوما على سريره وجسده الفاقد للحياة وهي تلقي بجسدها الصغير على صدره ويحضنها برفق وخوف وينتزع ضحكة وسط جسد ينبض بكل أوجاع العالم..
علمنا أيها «الماهر» مزيدا من الارادة، علمنا أيها الاخرس حروف النطق بكلمات الوطن ورفض الظلم، ورسم خارطة الثبات والاصرار على موقف هو حق وعادل، علمنا مزيدا من الرجولة والبطولة، علمنا أنه لا زالت هنالك فلسطين، ولا زالت هنالك قضية اكثر من 4000 مشروع شهيد في سجون الاحتلال منهم نحو 400 ضمن قائمة «الايقاف الاداري»..
علمنا بصمتك الرجولي، ومواقفك الثابته، أن الغد مفعم بوجع فقدانكم، لأنكم شهداء تبحثون في كل يوم عن كفن أبيض، او حرية تشبه أرواحكم
..قصتنا معكم ألف وباء حكاية الوطن وأبواب قهر ستكسر بأصواتكم وارادة صبركم..
امان السائح – الدستور









