عودة موفقة للأصول في التاريخ. ورد حقيقي لبعض المتفزلكين عن سورية والعروبة ….
حديث شيق ويستحق الجهد :
((سر)) و ((مر)) و ((رب))
أشهر مشاهير الآباء العرب الأقدمين:
بعد أن فعل تزوير التاريخ العربي عموماً والسوري خصوصاً فعله في عقولنا أصبح الكثير من العرب لا يتوانون عن وصف العرب الأقدمين بالتخلف والبداوة فقط !! وخصوصاً فيما يتعلق بالعرب السومريين الذين يذهب الكثيرون لفصلهم عن أصولهم العربية الموغلة في القدم، فيدّعي بأنهم غزاة للمنطقة العربية وأنهم ليسوا عرباً (كما قرر صمويل نوح كريمر وأخذها عنه للأسف نقلة التاريخ العرب كمسلّمات). وعلى النقيض من هذا يقول البعض بأن السومريين هم أصل العرب وهذا أيضا ًخطأ، فالسومريون هم جزء من العرب.
الأب العربي (سر) :
الذي تؤكد كل الدلائل على أنه كان متميزاً في منطقته الشرقية من شبه الجزيرة العربية.
(سر) يعني: السيد العليّ، ومؤنثه (سرت وسري) يعني السيدة العلية. وما تزال اللغة العربية تحتفظ لنا بالأصل حتى اليوم:
فكلمة (سري) الفصحى تعني : السيد، العالي،
وسراة القوم : سادتهم، والسراة: الجبال المرتفعة، والسروات القمم، والسرو الشجر المرتفع. و (سارة) هي السيدة والملكة. ومنها كلمة SIR الإنكليزية بمعنى (السيد) .
وإذا ما أضفنا نون الجمع تصبح (سرن) وتعني: السوريين أو السريان، لأن العربية القديمة لم تكن تكتب الصوتيات (ا، و، ي).
وقد اكتشفت المدينة التي سميت باسمه وفي موطن إقامته وهي (سار) قرب البحرين ونعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وإلى جانبها مدينة (سارة) أو (تارة) وتعود للفترة نفسها.
وقد انتشر أبناؤه وأحفاده في المنطقة الشرقية من الأرض التي دعيت فيما بعد بالأرض العربية. وكانوا جميعاً يتكلمون العربية بلهجتها الشرقية التي دعيت (سريانية). ولما أقيمت أول دولة مركزية في تاريخ الكوكب وجعلت عاصمتها أجادا ثم بابل وآشور ونينوى سادت العربية بلهجتها السريانية الشرقية كلغة رسمية في شتى أرجاء الدولة كلها واستمرت زهاء ثلاثة آلاف عام. وبالرغم من أن المستشرقين أخذوا يسمونها مرة أكادية وأخرى بابلية وآشورية وكلدانية …. فقد ثبت أخيراً أنها لغة واحدة هي العربية القديمة بلهجتها الشرقية السريانية و صار السكان يعرفون بالسوريين أو السريان و صارت الأرض (سوريا) من (سري) أي السيدة و (سورية) من (سرت) أي السيدة …
وهذا يوضح الخلاف القائم اليوم بين السوريين حول تسمية الوطن السوري:
فمنهم من يقول إن (سوريا) بالألف هي الكتابة الصحيحة, ومنهم من يقول إن (سورية ) بالتاء المربوطة هي الكتابة الصحيحة ..
الأب العربي (مر) :
(مر) و (مرت) تعني أيضاً السيد و السيدة ..
وما تزال قواميس اللغة تحتفظ لنا بهذا المعنى حتى اليوم؛ إذ نجد في القاموس أن (ماري) تعني السيدة والسيدة البيضاء تحديداً.
كما أن (مرت) ما تزال تستخدم في العربية الدارجة إلى اليوم فنحن نقول (مرت فلان) أي زوجته وسيدة بيته ..وما تزال كلمة (مار) مستخدمة مع ألقاب الآباء المقدسين في المسيحية إلى اليوم، فيقال: مار الياس و مار يعقوب، أي السيد الياس والسيد يعقوب الخ … وقد كانت منطقة سكنى الأب (مار) في الغرب؛ وكانت تسمية مدينة (ماري) في الشمال السوري وعمريت على الساحل تجسيداً لهذا الوجود .. و دعي أبناؤه و أحفاده فيما بعد بالآموريين أو العموريين .. وقد حكم منهم في عاصمة الدولة المركزية كثير من الملوك من بين أهمّهم آمورابي (حمورابي) الذي جعل بابل عاصمة الدولة المركزية، وكثير من الملوك من بنيه وأحفاده الذين حكموا من بعده …وكما انداح العرب السريان شرقاً إلى أن بات يذكر اليوم أنهم هم مؤسسوا حضارة وادي السند؛ انداح الآموريون غرباً ومن بينهم الفينيقيون عبر شطآن المتوسط وصولاً إلى الشواطئ الأمريكية، فسمي البحر المتوسط باسمهم (بحر آمورو) وأطلقوا أسماءهم على القارات والجزر والمدن والجبال: فأوروبا سميت باسم الأميرة الفينيقية بنت ملك صور، و (ليبيا) كانت تطلق على أفريقيا وهو اسم أمها أو جدتها لأبيها.
الأب العربي (رب) :
(رب) تعني السيد أيضاً ورب الأسرة سيدها. وهي الكلمة التي ترجمها المستشرقون خطأً بمعنى (إله) فصارت كل الأساطير السورية القديمة أبطالها آلهة وهذا غير صحيح إذ أن أبطالها كانوا من الشرفاء والنبلاء (الأسياد أي الأرباب) ..و هكذا تحولت هذه القصص من تاريخ حقيقي إلى خرافات! ومؤنثه (ربت) وتعني السيدة. أما منطقة سكناه و بنيه و أحفاده ففي جوف شبه جزيرة العرب ..
وأطلق على بنيه و أحفاده اسم (آربي) أو (عربي)؛
والمنطقة أربت أو عربت وهي ما يعرف اليوم ببرية شبه جزيرة العرب بعد أن أصابها التصحّر.
وكان من عادة العرب على اختلاف لهجاتهم العربية إرسال أبنائهم إلى البادية لكي يتعلموا من أهلها أصول اللغة العربية الفصحى ..
وهناك في جنوب عسير تحديداً توجد مدينة (الربة) حتى اليوم .
وقد اقترنت عملية تقديس هؤلاء الآباء الأوائل (سر) و (مر) و (رب) .. والذي يعني اسم كل واحد منهم (السيد) .. بتقديس الخصب .
فالأب الأكبر والأم الكبرى (عشتار) تجسيد لعملية الإخصاب الكونية العظمى المقدسة … ولإيضاح ذلك يكفي أن نضيف إلى أسماء أولئك الآباء أول حرف بالأبجدية العربية وهو الألف الذي يعني الثور؛ والثور رمز الخصب في عقيدة الخصب والذي كثيراً ما يتبادل مع العين الموقع والوظيفة والعمل لنلتقي فوراً بالصورة الكونية الأولى المقدسة لدى السوريين القدماء : صورة الخصب الكوني ..
والطريف في الأمر هو أن لغتنا العربية ما تزال تحفظ لنا في صدرها هذا الكنز العقائدي الأصولي الصميم منذ آلاف السنين وحتى اليوم ..
وكنا قد تحدثنا أيضاً في المرات السابقة عن قداسة الحروف العربية و معانيها وكيف أن لها بناء سماوي فلكي و طبيعي ..
فحرف الألف (ألفا) يعني الثور أي قوة الخصب وسنقوم بإضافته إلى أسماء هؤلاء الآباء في نهاياتها وبداياتها، فهل سيقوم بوظيفته ويفعل فعله بإضفاء معنى الخصوبة على هذه الكلمات ؟
لنقرأ :
(سر) : إن كلمة (سرـ أ) تعني أخصب،
وسرأت السمكة باضت، وسرأت المرأة كثر أولادها، وأسرأت أيضاً أخصبت وحان أن تبيض …
(مر) .. كلمة (مر ـ أ) أخصب وألقح وجامع،
والمروءة في أصلها كمال الفحولة الإخصابية وكمال الرجولة، والمرء هو الذكر والمرأة الأنثى..
أما (مر ـ ع) فتعني أخصب أيضاً. ومرع الوادي أكلأ وأخصب بكثرة الكلأ، وأمرع القوم كانت مواشيهم في خصب، والمريع الخصيب، والأمروعة الخصبة، والممراع الخصيب، ورمعت (بالإبدال بالقلب) المرأة أيضاً إذا ولدت …
(رب) .. كلمة (رب ـ أ) تعني: زاد وكثر ونما.
وكلمة (رب ـ ع) بالإبدال بين الألف والعين تعني أيضاً أخصب، وأربع فلان أكثر من الجماع، وربيع رابع أي مخصب، والربيع أي الخصيب وهو فصل الخصب …
أما إذا أضفنا الألف إلى أول تلك الأسماء ليصبح نداً لكل من الحرفين في الاسم تألفت أقانيم الخصب الثلاثة الزوج والزوجة والابن، ويصبح معنى الكلمة كما يلي:
(أ ـ سر) أي ابن سر أو أبناؤه …
(أ ـ مر) أو (عمر) بالإبدال الشائع بين الألف و العين
تعني : ابن مر أو أبناؤه …
(أ ـ رب) أو (عـ ـ رب) تعني ابن رب أو أبناؤه …
وبناءً على هذا فقد توزعت اللغة العربية القديمة إلى ثلاث لهجات رئيسية هي:
السريانية في الشرق، والأمورية في الغرب، والعرباء (أي النقية أو الشديدة العروبة مثل ليلة ليلاء) في جوف شبه جزيرة العرب ..
وبينما كانت اللهجة الشرقية تضيف الصوت (و) إلى آخر الأسماء كانت الغربية تضيف الصوت (ا) والعرباء تضيف التنوين..
إن كلمة (جملٌ) العرباء مثلاً كانت في السريانية الشرقية (جملو) وفي الغربية (جملا) أو (غملا) إذ كان الآموريون والفينيقيون يلطفون أحياناً حرف الجيم إلى (غ).
في العرباء: الجمل يرعى العشب.
في السريانية الشرقية: جملو روعي عسبو.
في العمورية الغربية: غملا ورعي عسبا.
هذه هي أصول العرب القديمة أول أمة في التاريخ. إنهم أشقاء يتكلمون لغة عربية واحدة مهما اختلفت لهجاتها ولا يجوز أن نفسح المجال للمستشرقين الصهاينة بزرع مصطلحاتهم العرقية في عقولنا.
سوريا وعودة الزمن العربي. الدكتور أحمد داوود









