كعادة مُعظم الموهوبين، لم تستطع الطفلة الصغيرة سهير حلمي إبراهيم البابلي المولودة في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1937 أن تُخفي ميولها الفنية التي ظهرت أعراضها عليها في وقت مُبكر. فقد تعلقت بالغناء وصارت بفطرتها البريئة تميل إلى تقليد الأشخاص بظرف وخفة ظل، الأمر الذي لفت انتباه الأب والأم كأول المُكتشفين للمواهب الكامنة في شخصية ابنتهما المُدللة. لكن هذا الاكتشاف لم يرق للأم التي خشيت من ارتباط طفلتها الصغيرة بعبث الغناء والتقليد على حد اعتقادها فيُؤثر ذلك على تحصيلها الدراسي ومُستقبلها، ومن ثم لم تتفاعل مع موهبتها وحاولت كثيراً إثنائها عن التمادي في مسألة التقليد والغناء، على عكس الأب، مُدرس الرياضيات وناظر المدرسة الثانوية. وقد مثلت هذه المُفارقة في موقف المُعلم التربوي نقلة مهمة في حياة سهير البابلي فيما بعد، حيث اعتمدت في اختيارها لطريق الفن والشهرة على دعم والدها الذي كان مؤمناً بموهبة ابنته ومُدركاً لملكاتها المُتعددة في التقليد والغناء والتمثيل، وعلى أثر ذلك بات الأمل لدى الطفلة الموهوبة مرهوناً بتفوقها الدراسي والتحاقها بالمعهد العالي للفنون المسرحية والجمع بين دراسة فن المسرح والعلوم الموسيقية في وقت واحد، وهو ما تحقق بالفعل نظراً للارتباط الوثيق بين المجالين الإبداعيين في مُخيلة الموهبة الصاعدة الواعدة. لم تفلح محاولات الأم في تغيير النمط الفكري لابنتها التي اختارت طريقها وعقدت العزم والنية على المُضي قُدماً نحو طريق المجد والشهرة والأضواء، فلم تجد بُدا من الاعتراف بموهبتها والتسليم بما اختارته لنفسها فكانت البداية من المعهد العالي للفنون المسرحية الذي تأسست فيه كممثلة مسرح من العيار الثقيل، وبالطبع أفادتها الدراسة الموسيقية كثيراً في الإلمام بالجوانب الفنية الأخرى المُتصلة بالعمل المسرحي، وأهمها الحنجرة القوية وعذوبة الصوت الغنائي الذي مثل إضافة قوية لسهير المُمثلة في كثير من الأعمال التي أنجزتها طوال حياتها الفنية. وبرغم أن الفرص التي حصلت عليها سهير البابلي في السينما ليست أقل كثيراً من فُرصها في المسرح إلا أن ولاءها الأساسي كان للأكاديمية الكبرى التي تعلمت فيها فن الأداء والإلقاء وجلجل صوتها في أركانها العتيقة وهي لا تزال طالبة في السنوات الدراسية الأولى. ومع حبها الشديد للسينما وارتباطها بها، ظل للمسرح مكانة خاصة بداخلها وباتت مُتعلقة به تعلق التلميذة والأستاذة في آن واحد، فلم يكن لديها استعداداً للمُقايضة علية بأي فن آخر مهما كانت المُغريات والمُكتسبات. كثيرة هي المسرحيات التي قدمتها الفنانة الراحلة، لكن ما يعلق منها بذاكرة الجمهور يُمثل علامات حقيقية في مشوارها وثرائها وتنوعها الفني، ولعل من أهم أعمالها ما تضمن نقداً سياسياً واجتماعياً كمسرحية «على الرصيف» التي تراها البطلة ذاتها واحدة من الأعمال الأكثر اشتباكاً مع الواقع بتفاصيله وآلامه، غير أنها لم تعبأ بما وجه إليها في حينه من نقد لكونها خرجت عن النص في بعض المواقف، ذلك لأنها كانت على قناعة بأن خروجها عن النص كان لدواعي الإضافة والإجادة وليس من قبيل الاستهتار أو لفت النظر. وكذلك لم تسلم سهير البابلي أيضاً من هذه التهمة في ما قدمته من مسرحيات أخرى على نفس المستوى من التميز مثل «العالمة باشا» و«عطية الإرهابية» و«ريا وسكينة» حيث تعاملت بإحساسها الشخصي كممثلة صاحبة خبرة مع المشاهد المكتوبة ولم تُجبر نفسها على الالتزام الحرفي بنمط الشخصية التي تؤديها لأنها اعتبرت التقيد التام بالنص نوعا من القمع لموهبتها التي تتجاوز حدود الدور المحفوظ، لكنها لم تخرج خروجاً غير لائق، بل على العكس كانت شديدة الحرص على تطبيق مبدأ الأداء المُناسب، بحيث لا يتعارض ما تجتهد فيه مع الخط الدرامي للعمل والرؤية الموضوعية للكاتب والمخرج بلا أدنى إسفاف. وعلى الرغم من الشهرة الواسعة لمسرحية «مدرسة المُشاغبين» التي جمعت البابلي بنجوم كبار كعادل إمام وسعيد صالح وأحمد زكي ويونس شلبي وهادي الجيار وحسن مصطفى وعبد الله فرغلي، إلا أنها لم تكن تعتبر دورها فيها متميزاً، فالبطولة من وجهة نظرها كانت لمجموعة التلاميذ المُشاغبين الذين أدوا أدوارهم بتمكن وإبداع وتوافرت لهم المساحة الأكبر ليكونوا جديرين بالبطولة والنجومية، فشخصية عفت عبد الكريم كانت محدودة بإطار معين كأستاذة ومُربية ولهذا جاءت عملية التحجيم الكوميدي فلم تأخذ عفت فرصتها كاملة لاستعراض قُدراتها التمثيلية. وكانت الفنانة الراحلة تعتبر أن دورها في مسرحية «الدخول بالملابس الرسمية» مع إسعاد يونس وأبو بكر عزت أهم من ناحية التأثير بالنسبة لها لأن الدور كان كوميدياً بامتياز والجمهور تفاعل مع الشخصية تفاعلاً ملموساً. وبعيداً عن الآراء المذكورة سلفاً هناك تجليات أخرى لصاحبة الأداء المسرحي الجريء لم تأخذ حقها من النقد كمسرحية «جوزين وفرد» و«القضية» و«الفرافير» و«نص أنا ونص أنت» فهذه الأعمال اعتمدت بشكل أساسي على ماهية الموضوع وطبيعة الحدث والتضمين الذكي للمفاهيم والقضايا. وتبقى السينما في مسيرة سهير البابلي في المرتبة الثانية قبل الدراما التلفزيونية، فمن أهم أفلامها الأولى، «يوم من عمري» مع عبد الحليم حافظ وعبد السلام النابلسي وزبيدة ثروت، فقد كان العمل مع مطرب كبير مثل عبد الحليم جواز مرور بالنسبة لها إلى الشاشة الكبيرة في مساحات أوسع وأهم من أدوارها الأخرى في فيلم «أخطر رجل في العالم» و«جناب السفير» مع فؤاد المهندس، وإن كانت في مراحل تالية من عمرها الفني حصلت على بطولات ذات قيمة في بعض الأفلام كفيلم «استقالة عالمة ذرة» وفيلم و«عد ومكتوب» و«السيد قشطة» و«الأونطجية» وغيرها. أما أدوارها التلفزيونية فكان أبرزها من الناحية الجماهيرية مسلسل «بكيزة وزغلول» الذي كتبته وشاركتها فيه البطولة صديقتها إسعاد يونس، لكنه ليس الأهم فهناك مسلسلات أخرى ناجحة مثل «الحقيقة ذلك المجهول» و«قانون سوسكا» و«عم حمزة» و«الشاهد الوحيد» و«قلب حبيبة». وعلى هذا المنوال تنوعت أدوار الفنانة الكبيرة فصارت علامات في دربها ومشوارها وشهادات موثقة باسمها في عالم الخيال الجميل.
منصة إعلامية إلكترونية تنقل الحدث الإخباري بشكلٍ يومي تعني بالشؤون المحلية والعربية والعالمية تشمل مواضيعها كافة المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية إضافة إلى أخبار المنوعات وآخر تحديثات التكنولوجيا