السؤال المطروح في عنوان هذه المداخلة قد يبدو غريباً خاصة أن تركيا ساهمت في العدوان الكوني على سورية بشكل أساسي، كما أنها دخلت الأراضي السورية بشكل غير شرعي وتحتلّ أجزاء من المنطقة الشمالية الغربية في سورية، ولأنها ما زالت تناور وتدعم جماعات التعصّب والغلو والتوحّش، وتحاول فرض أجندتها على المحادثات حول مستقبل سورية. فالقراءة المختزلة للمشهد العسكري
والسياسي قد تفضي أن تركيا في خانة العداء الكبير لسورية ومن وراء ذلك لمحور المقاومة وما يمثّله. وبالتالي تتوجّب مجابهة تركيا كما تتم مجابهة التحالف المعادي لسورية.
لكن في رأينا يمكن قراءة المشهد من منظور مختلف دون التنكّر للمواقف العدائية لتركيا تجاه سورية. الفرضية الأساسية لقراءة المشهد تكمن في التركيز على البعد الجيوسياسي «للعبة الكبرى» بين روسيا والولايات المتحدة كدول عظمى متنافسة بشكل حاد في منطقة شرق الأوسط وبين الدول الإقليمية المتنافسة المتعدّدة الأجندات والأولويات أي الجمهورية الاسلامية في إيران وتركيا والكيان الصهيوني. في وسط كل ذلك تقف سورية بمفردها ومع حلفائها من قوى شعبية عربية ممثلة الجهة العربية الحقيقية الرافضة للمشاريع الصهيوأميركية في الصراع القائم بين الجبابرة الإقليميين والدوليين.
فتفكيك عناصر المشهد يُفضي إلى أن الصراع الروسي الأميركي له سقف واضح وهو تجنّب المواجهة المباشرة، على الأقل في المدى المنظور. تعرّضت روسيا في الآونة الأخيرة إلى سلسلة هجمات أو مضايقات استنزافية من قبل الولايات المتحدة عبر وكلائها أي جماعات التعصّب والغلو والتوحّش. فمن الهجوم على القاعدة الروسية في مطار الحميميم إلى إسقاط طائرة السوخوي إلى قتل «مقاولين» روس في الشمال الشرقي السوري إلى اتهام روسيا في مجلس الأمن في عرقلة لجنة التحقيق الكيماوية المزعومة، سلسلة من أعمال ومواقف جوهرها أميركي وصهيوني يحاول تخفيف حدّة الهزيمة التي مّني بها التحالف الدولي على سورية. فالغيظ والحنق الأميركي الصهيوني كبير جداً ويمتلكان سلوكهما. فتحميل روسيا مسؤولية إفشال مخطّط التحالف الدولي على سورية هو عنوان المرحلة الحالية والمقبلة للمواجهة. ومع إسقاط طائرة الـ»أف 16» في 10 شباط/فبراير 2018 تزداد الأمور تعقيداً بالنسبة للحلف الصهيوأميركي والعربي التابع له لأن عملية الإسقاط جاءت كصفعة مدوّية للمشاريع الصهيوأميركية.
فكيف يمكن لروسيا ردّ التحرّش بها والمتزايد وكأن الولايات المتحدة تطمح إلى حصول «حماقة» روسية تدفع ثمنها في ارتفاع عدد الضحايا الروس قبل الانتخابات الرئاسية الروسية في الربيع المقبل؟ فالرهان الأميركي هو توريط روسيا في مستنقع سورية للنيل من هيبة الرئيس الروسي تمهيداً لإسقاطه في حد أقصى أو لإذلاله في حدّ أدنى. ما لا يفهمه الطرف الأميركي أن كل استفزاز لروسيا يزيد من شعبية الرئيس الروسي. فمن هذه الناحية هو مرتاح بشكل كبير. في رأينا سيكون الردّ روسيا عبر تحفيز تركيا في التصعيد ضد حلفاء الولايات المتحدة في المشهد السوري وبالتحديد مع الأكراد، ووضع الولايات المتحدة بين مطرقة التمسّك بالأكراد وسندانة خسارة تركيا كركيزة أساسية في الحلف الأطلسي. هذا هو جوهر «اللعبة الطويلة» أو «اللعبة الكبرى».
فإن تخلّت الولايات المتحدة عن الأكراد للحفاظ على تركيا ستفقد الولايات المتحدة مصداقيتها، وكل ما تبقّى لها من وكلاء تستطيع توكيلهم نيابة عنها بالحرب على روسيا والدولة السورية وعلى الجمهورية الإسلامية والمقاومة. فيصبح البديل عن ذلك التدخّل المباشر وبكثافة في الميدان السوري أسوة بما فعلت في العراق عام 2003. لكن هذا الخيار غير متاح للإدارة الأميركية لا سياسياً ولا عسكرياً ولا اقتصادياً. فالوضع الأميركي السياسي الداخلي والخارجي في الحضيض كما أن الجهوزية الأميركية ونوعية سلاحها أصبحت مسألة فيها وجهة نظر، وفقاً لدراسات عديدة وباعترافات القيادات العسكرية الأميركية أمام الكونغرس الأميركي. أما على الصعيد الاقتصادي فالبلطجة الأميركية للاستيلاء على الأموال العربية في الجزيرة العربية وعلى النفط في بلاد الرافدين وبلاد الشام دليل إضافي على «حاجة» وعلى «ضيق» مالي كرّستها الموازنة التي أقرّتها الإدارة الأميركة والعجز الذي وصل إلى رقم قياسي تجاوز التريليون دولار.
القمة الثلاثية المرتقبة في استطمبول والتي ستجمع كلاً من الرؤساء التركي اردوغان والروسي بوتين والإيراني روحاني تعزّزت دلالاتها بعد إسقاط طائرة الـ»إف 16» وبعد محاولة وزير الخارجية الأميركي تيلرسون غير الناجحة استرضاء أردوغان في الموضوع الكردي شمال شرق سورية. القمة بحدّ ذاتها دلالة على استمرار الرئيس التركي بالتوجّه نحو الشرق رغم كل الألاعيب والمناورات التي قام بها بحق اتفاقات آستانة ومؤتمر سوتشي، وحتى دخوله إلى سورية رغم الامتعاض الروسي والإيراني والرفض القاطع السوري. المهمة التي تقع على عاتق الروس والإيرانيين هي دفع الأتراك إلى المحور الروسي الإيراني والخروج، التدريجي أو المفاجئ، من الحلف الأطلسي. «اللعبة الكبيرة» هذه المرة لم تعد أفغانستان القرن التاسع عشر والقرن العشرين بل تركيا. الكنز الاستراتيجي للمحور الروسي الإيراني هو خروج تركيا من الأطلسي وإن تكن كلفة الخروج تضحيات كبيرة تدفعها سورية في المدى القصير، ولكن ستعوّضه فيما بعد مع استثمار حقول الغاز. ففي ريف حمص يوجد وفقاً لتقارير عدة ما يوازي ثُمن 1/8 الاحتياط العالمي للغاز ما سيجعلها قوة عظمى منتجة للغاز. فالثمن الاسترتيجي التي سيربحه المحور الروسي الإيراني وحتى محور المقاومة بعد خروج تركيا من الحلف الأطلسي، هو فقدان الأخير ركيزة أساسية له في جنوب روسيا وعلى أبواب البحر الأسود وشرق البحر المتوسط. فبحر قزوين قد يمتد سياسياً وعسكرياً عندئذ إلى المتوسط والأسود وفيما بعد إلى البحر الأحمر.
خروج تركيا من الأطلسي في الحدّ الأقصى أو تحييد دورها في ذلك الحلف في الحد الأدنى، سيضعف تركيا في استمرار عدائها لسورية. كما أنه يُعجّل ويُكرّس خروج الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط. فخروج أو تحييد الولايات المتحدة من المنطقة سيعزّز نفوذ روسيا وإيران وبالتالي سيؤثّر على سلوك تركيا. لكن هذه العملية ليست بالسهلة وبالتأكيد ليست تلقائية. المجهود الذي يجب أن يُبذل تجاه تركيا سيكون كبيراً ومستديماً وإلاّ لعاد اردوغان إلى مناوراته. فإلى حد ما أصبحت تلك المناورات أوراقاً كشفها أو حرقها أردوغان، ودخلت فيما بعد في الحسبان عند كل من روسيا وإيران. وبالتالي خطر الخديعة والمراوغة التركية يوجب عليهما التحضير لمنعها أو تحييدها. خروج تركيا يتطلّب حوافز اقتصادية وسياسية لمواجهة الضغوط الداخلية التركية المرتبطة بالولايات المتحدة. أما احتمال خروج أردوغان من السلطة فهو احتمال ضئيل في المدى المنظور، ولكن غير مستحيل.
من وجهة نظرنا الجيوسياسية نعتقد أن العمل على إخراج تركيا من الحلف الأطلسي مكسب للمحور العربي المقاوم. كما أن تركيا جزء مما نعتقده الكتلة التاريخية التي ننادي بها في المؤتمر القومي العربي عبر التشبيك بين كل من إيران وتركيا والعرب على قاعدة الندّية والتكامل، وليس على قاعدة التعالي والتنافس. فهذا التشبيك يُعيد التوازن إلى المنطقة الذي فقدته بعد سقوط الدولة العثمانية، ودخول الاستعمار الأوروبي إلى المشرق العربي بعد استكمال استعمار وادي النيل والمغرب الكبير، وأخيراً بعد زرع الكيان الصهيوني في قلب المشرق العربي. التشبيك سيحصّن دول المنطقة في وجه المطامع التاريخية القديمة أو الجديدة التي قد تأتي من الغرب أو الشمال أو حتى الشرق. فالعرب يشكّلون العمق الاستراتيجي لكل من إيران وتركيا كما أن الدولتين تشكّلان عمقاً استراتيجياً أيضاً لعرب القارة الآسيوية والأفريقية. هذا ما يجب أن نعمل على ترسيخه عند النخب المثقفة والقريبة من سلطة القرار في كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران وفي تركيا.
– خلال عامين خاض محور المقاومة مواجهاته مع هذه العناوين الأربعة بما لا يُحرج روسيا، ولا يؤذي الحلف معها، فانتظرت معركة حلب شهوراً من حرب استنزاف خاضتها تركيا، تحت عنوان الهدنة، وهي تراوغ وتمارس الخداع، حتى اقتنعت موسكو بخوض المعركة، وخاضتها بكلّ شراسة واستقامة وحزم، وتحمّل محور المقاومة استفزازات أميركية وإسرائيلية وتبلور حالة تقسيمية كردية، وهو يمارس ضبط النفس، لكن بقناعة حاسمة بثلاثة ثوابت: الأول أنّ كلفة التباين مع موسكو أغلى من مكاسب هذا التباين في هذه العناوين. ثانيها أنّ المكاسب في هذه العناوين مشكوك في بلوغها دون روسيا، وثالثها أن لا بدّ للوقائع من أن تقول في وقت ليس ببعيد، ما إذا كان رهان موسكو سيصيب. وفي هذه الحالة المهم هو «أكل العنب وليس قتل الناطور»، وإلا فإنّ موسكو ستعيد التموضع عند رؤى وسياسات جديدة.
– رسم التفاهم بين محور المقاومة وروسيا على قاعدة مواصلة الحرب لتحرير الجغرافيا السورية وإبقاء الباب مفتوحاً للمبادرات الروسية، لجذب الأكراد والأتراك، وتحييد الأميركيين والإسرائيليين، دون السماح لأيّ استفزاز بأن يؤدي للانزلاق نحو مواجهة جانبية ستوقف مسار الحسم العسكري من جهة، وتُربك روسيا من جهة مقابلة، حتى جاءت وقائع الشهور الأخيرة، وقالت سواء لتحوّلات في المواقف والوقائع فرضت جديداً، أو لأنّ روسيا اكشتفت صواب قراءة محور المقاومة، أو لكليهما، لكن المهمّ أنه صار واضحاً لروسيا، أنّ أميركا حسمت خيارها بأنّ مواجهتها في الأصل مع روسيا لمنع تنامي حضورها الدولي والإقليمي، كما قالت الاستراتيجية الأميركية المعلنة، وكما قالت التصريحات والممارسات الأميركية لجهة رفع أهمية البقاء في سورية على السعي للحلّ السياسي فيها. وفي المقابل قالت الوقائع إنّ التبعية الكردية لواشنطن أكبر من أن تفكّها الإغراءات الروسية بالحلّ السياسي، وصيغ دستورية تراعي تطلعات القيادات الكردية، وأنّ مطامع تركيا باقتطاع جزء من الجغرافيا السورية يتفوّق على الرغبة بضمان الأمن القومي التركي من خطر كيان كردي، وأنّ «إسرائيل» لا تخوض في سورية معركتها فقط، بل معركة أميركا لتخريب الحلّ السياسي الذي تقوده روسيا، وأنها تحوّلت للذراع الرئيسية في حرب إضعاف مكانة روسيا.
– هذه الخلاصات التي صارت على الطاولة الروسية، رسمت الأساس لمرحلة جديدة، عنوانها تعميق التحالف بين موسكو ومحور المقاومة، ومنحه أبعاداً استراتيجية تفوق التنسيق والتعاون تحت سقف استعادة سورية عافيتها، وضمان وحدتها وسيادتها، فقد صارت الإدارة الروسية المشتركة مع محور المقاومة تنطلق من تشخيص مشترك لمحاور الاشتباك وقواعد الاشتباك. ومن هذه المعادلة الجديدة للتحالف جاء التوقيت الذي أعدّ الرئيس السوري طويلاً لملاقاته ببناء شبكات الدفاع الجوي، فكانت لحظة القرار بإسقاط الطائرة الإسرائيلية، ومثلها كانت خطوات أخرى وسيكون المزيد، الذي يجب أن يضعه الإسرائيليون والأميركيون من جهة، ضمن حساباتهم، فسياق الحسم سيتواصل في الميدان بقوة أكثر، لكن الردّ على الاستفزازات سيكون أيضاً بقوة أكبر، ولو كان الثمن مواجهة مفتوحة يخوضها محور المقاومة بدعم روسيا، ولو من الصفوف الخلفية، كما يجب على الأتراك والأكراد أخذه بالحساب من جهة أخرى، فلا جوائز ترضية لأحد، والعنوان الوحيد المتاح لتفادي الأسوأ هو بسط سلطة الدولة السورية في مناطق السيطرة التركية ومناطق السيطرة الكردية.
زياد حافظ – البناء











Discussion about this post