بدا العام 2017 مفصلياً في المعركة المفتوحة ضد الإرهاب في العالم، خصوصاً في ظل تلاشي "حلم الخلافة" لدى تنظيم "داعش" الإرهابي، بعد سلسلة الهزائم التي تعرّض لها ميدانياً، في سوريا والعراق، وفقدانه معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، في هاتين الدولتين، فضلاً عن تمدّداته في دول أخرى، لا سيما في ليبيا..jpg)
وبالرغم من أن سلسلة الإنجازات العسكرية التي القوى المواجهة للإرهاب "الداعشي" خلال العام المنصرم، قد أحدثت تحوّلاً نوعياً، لجهة سقوط شعار "باقية وتتمدد"، وبالتالي انهيار استراتيجية "التمكين" التي سعى إليها التنظيم الإرهابي من خلال سيطرته على مساحات جغرافية شاسعة، إلا أن المرحلة التالية، قد تكون الأصعب.
وتنطلق صعوبة تلك المرحلة من نظرية، يتحدث عنه المراقبون والخبراء المختصين في شؤون الحركات الجهادية، ويُصطلح على تسميتها بـ"الأجيال المتتالية للجهاد العالمي"، ويمكن من خلالها تتبع مسار تطوّر استراتيجيات التنظيمات الإرهابية وتكتيكاتها، تبعاً لتبدّل الظروف القتالية وتطوّر أيديولوجيتها في الحرب المفتوحة التي تخوضها على مستوى العالم.
وانطلاقاً من تلك النظرية، يمكن تتبع مساراً متدرجاً لتلك التنظيمات الجهادية، باختلاف مسمّياتها، من مرحلة الحرب في الاتحاد السوفياتي، مروراً بالعمليات المتعددّة والمتدرجة التي حملت توقيع تنظيم "القاعدة" في التسعينات، وصولاً إلى النسخة "الداعشية" التي بدأت تتطوّر أيديولوجيا واستراتيجياً وتكتيكياً منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، من خلال القيادي السابق في تنظيم "القاعدة" أبو مصعب الزرقاوي، ولاحقاً في النسخة الأكثر تطوّراً من تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" في أواخر العقد الماضي، على يد أبي عمر البغدادي، والذي مثّل الشكل الأولي لما بات يعرف لاحقاً بـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام" ولاحقاً بـ"الدولة الإسلامية" على يد أبي بكر البغدادي، بعد التحوّلات العسكرية والسياسية في سوريا.
ومما لا شك فيه أن سلسلة التطوّرات الميدانية في العراق وسوريا، خلال العام 2017، شكلت انهياراً للشكل الأولي الذي نشأ عليه "داعش"، والذي يقوم على مبدأ ايديولوجي واضح، يناقض في جوهره المبدأ الأيديولوجي الذي ما زال تنظيم "القاعدة" محافظاً عليه، والمتمثل في فكرة "الدولة الإسلامية" أو "الخلافة".
وفي الواقع، فإنّ نهاية العام 2017، تؤشر إلى أن "داعش" لم يعد قادراً على خوض معاركه، انطلاقاً من كونه "دولة"، خصوصاً أنه بات مشتتاً في مناطق صحراوية أو غير مأهولة بين سوريا والعراق، لا تتجاوز مساحتها الخمسة في المئة من إجمالي مناطق سيطرة التنظيم الإرهابي، في ذروة صعوده بين العامين 2013 و2014.
ويبدو واضحاً أن القوى المحاربة للإرهاب في سوريا والعراق، قد ركزت في استراتيجيتها المضادة، على مبدأ إفقاد تنظيم "داعش" السيطرة الجغرافية، وهو ما سارت عليه المعارك الكبرى.
وفي سوريا، فقد أسهمت الحملة العسكرية الروسية، منذ بدايتها في خريف العام 2015، في توجيه ضربات مزدوجة للتنظيم الإرهابي، تمثلت في الأولى في تصفية العناصر "الداعشية" على اختلاف درجة خطورتها، فيما تمثلت الثانية في توفير الدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي للجيش السوري، لاستعادة أراض شاسعة كان "داعش" يسيطر عليها، قبل بدء الحملة الروسية.
وفي رصد سريع لأهم المنجزات العسكرية ضد تنظيم "داعش" على الاراضي السورية، يمكن الحديث عن النتائج التالية:
— استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من ريف حلب الشرقي، في الربع الأول من العام 2017، بعد فك الحصار عن مطار كويرس العسكري.
— استعادة السيطرة على مطار الجراح في أواسط أيار/مايو، و ومناطق مسكنة ودير حافر وتادف، وهو ما مهّد لتطهير ريف حلب الشرقي من "داعش" بحلول شهر حزيران/يونيو.
— استعادة السيطرة على مناطق واسعة من ريف الرقة الغربي، بعد معركة الرصافة، في أواسط حزيران/يونيو، ومن ثم استكمال السيطرة باتجاه مناطق أخرى في الريف الجنوبي بع معركة اثريا في أواخر الشهر ذاته.
— إطلاق عمليات البادية في واسط آب/أغسطس بعد استعادة السيطرة مجدداً على تدمر.
— إطلاق عملية استعادة السيطرة على دير الزور في أيلول سبتمبر، والتي انتهت في تشرين الثاني/نوفمبر، بالتزامن مع استعادة السيطرة على مدينة البوكمال الحدودية.
— بالتوازي، كانت قوات سوريا الديمقراطية، المؤلفة بشكل خاص من وحدات كردية، تخوض معارك تدريجية للسيطرة على بلدات وقرى محافظة الرقة، وصولاً إلى استعادة السيطرة على المدينة، بدعم عسكري واستخباراتي من قبل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وأمّا في العراق، فتمثلت الضربة الكبرى التي تكبدها "داعش" في استعادة الجيش العراقي والتشكيلات الأخرى السيطرة على مدينة الموصل، عاصمة "الخلافة" المزعومة، في تموز/يوليو، بعد معارك شرسة، دامت أشهر، ثم طرد التنظيم الإرهابي من مدينة القائم في محافظة الأنبار في بعد أيام قليلة، ومن ثم استعادة السيطرة على مدينة راوة، وصولاً إلى تحرير مدينة تلعفر في شمال العراق في تشرين الأول/أكتوبر، ناهيك عن استعادة السيطرة على مساحات شاسعة من الصحراء الغربية، المتاخمة لسوريا.
كذلك، فقد "داعش" منطقة استراتيجية عند الحدود اللبنانية-السورية، في آب/أغسطس، في إطار ما عرف بمعركة "فجر الجرود" التي خاضها الجيش اللبناني عند الحدود اللبنانية-السورية، ومعركة "وإن عدتم عدنا" التي خاضها "حزب الله" والجيش العربي السوري بالتوازي والتزامن من الناحية السورية للحدود.
تطرح تلك التطورات الميدانية الكثير من التساؤلات حول خيارات "داعش" في مرحلة ما بعد انهيار حلم "التمكين"، ولا سيما في ظل رصد مؤشرات عدّة على أن التنظيم الإرهابي قد يعوّض خسائره الجغرافية بعمليات إرهابية تنفذها "ذئاب منفردة" بشكل متفرق في مختلف أنحاء العالم، وهو ما شرع فيه بالفعل، وعلى نحو مكثف، في السنتين الماضيتين.
وإذا كان تكتيك "الذئاب المنفردة" هو الأكثر وضوحاً حتى الآن، فمن غير المحدد بعد، الشكل الجديد الذي قد تفرزه هزيمتا "داعش" في سوريا والعراق، بعد الأشكال المتعددة التي أفزرتها هزائم الإرهاب الجهادي في العالم، منذ تسعينيات القرن الماضي.
سنمار الاخباري – وكالات










Discussion about this post