من الخطأ الاعتقاد بأن الحكومة التركية قد تغيّر مواقفها مما جرى في سورية من عدوان وإرهاب، لا بل إن الموقف التركي يزداد عداوة للدولة السورية، بدليل دخول قواتها إلى إدلب وبعض المناطق السورية، ما يشكّل عدواناً على سورية وانتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها وخروجاً واضحاً عن اتفاقات أستانا فيما يتعلق بخفض التوتر وما جرى الحديث عنه من توافقات بين الدول الثلاث..jpg)
ولعله من نافلة القول: إنه ليس في وارد واهتمام السلطة الوطنية السورية، المنبثقة عن إرادة الشعب السوري الحرّة، صدور أية إشارة اعتراف بشرعيتها أو أهليتها للسلطة من أية جهة أو مسؤول سياسي، فهي تستمد شرعيتها من مصدرها الوطني، ولهذا السبب لم تعر أي اهتمام لأية تصريحات أو دعوات تصدر من خارج سورية حول أهلية نظامها السياسي ومؤسساته ودرجة تمثيلها للشعب العربي السوري، وعلى هذا الأساس لا تنتظر الحكومة السورية من أية جهة في العالم، سواء كانت صديقة أم معادية، أي حديث عن ذلك، خاصة عند انعقاد لقاءات أو مؤتمرات يتمّ التعرّض خلالها للأزمة في سورية، فما يهم الحكومة السورية والشعب السوري هو الموقف من الإرهاب ومكافحته ومحاربته ودرجة انخراط الدول المعنية في الحرب عليه في حيثياته، وإمكانية التزامها بمواقف عملية وملموسة بمواجهته.
إن الجميع يدرك أن الحكومة السورية لا تعنيها التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأتراك بشأن البنية السياسية في سورية، فهذا شأن حصري بالسوريين لا غيرهم، وأن ما يثير اهتمام المجتمع الدولي هو: هل ثمة تحوّل في موقف تركيا من دعم الإرهاب، كونها مركز تجمع الإرهابيين ومضختهم باتجاه الجغرافيا السورية؟ وهل ستغلق تركيا حدودها في وجههم وتمتنع عن استقبالهم وتسهيل دخولهم الأراضي السورية وتدريبهم؟ إضافة لأنها سوق تصريف سرقاتهم من بترول وآثار وغيرها من مصادر الثروة والطاقة في سورية، حيث تشكّل أحد أهم موارد العصابات الإرهابية لشراء الأسلحة واستقدام المرتزقة ليستمروا في سفك دماء السوريين، وتخريب وتدمير المؤسسات العامة والخاصة فيها خدمة للقوى الخارجية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني العدواني.
ولا شك أن الأكثر أهمية ليس ما يصدر من تصريحات تتحدّث عن حل سياسي ومكافحة للإرهاب وشراكة في الحرب عليه، وإنما ما يجري على الواقع وفي مسرح الصراع وجبهات القتال، حيث لا مؤشر حقيقياً على أي تحول في هذا المجال، لا بل إن العصابات الإرهابية بتسمياتها المختلفة لا زالت تتحرّك داخل الأراضي التركية وتتلقى كل أشكال الدعم العسكري والبشري عبر البوابة التركية، ولعل ما جرى في إدلب خلال الأيام الماضية من تنسيق بين جبهة النصرة والقوات التركية المعتدية هو مؤشر واضح على ذلك.
إن الحديث عن شراكة تركية مزعومة في الحرب على الإرهاب ما هو، حتى الآن، إلا خداع وتضليل وابتعاد عن الحقيقة، فكيف لتركيا المنخرطة في الحرب الإرهابية على سورية عبر دعمها واحتضانها وتسويقها للجماعات الإرهابية أن تتحوّل إلى محارب للإرهاب؟! فإذا كان من موقف تركي عملي في هذا المجال فإنه يتجلى بانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية، وأن توقف تركيا دعمها للجماعات والعصابات الإرهابية، أو الحد من ذلك من خلال عدم استقبالها للإرهابيين عبر مطاراتها، وإغلاق حدودها في وجوههم، وعدم جعل جغرافيتها عمقاً استراتيجياً لهم.
والحال فإن على مدعي الحرب على الإرهاب والساعين لحل سياسي للأزمة في سورية إثبات ذلك بالسلوك والمواقف العملية القابلة للقياس عبر أدوات وآليات شفافة وممكنة، فلم تعد التصريحات والبيانات كافية في هذا المجال، لأنها أصبحت من قبيل لزوم ما لا يلزم.
د. خلف المفتاح











Discussion about this post