.jpg)
ضاقت بهم سبل العيش بعد أن طرقوا العديد من الأبواب على أمل أن يجدوا آذاناً مصغية من المعنيين لكنهم وجدوا أذناً من طين وأحياناً تطلب الأمر لديهم أن يتوسط لهم بعض الأحبة حتى يتنازل المعني لمقابلتهم على أمل أن يحل مشاكلهم فيعطيهم من اللسان حلاوة ويطلق الوعود التسويفية تاركاً للزمن القادم ربما فرصة وقد تكون غير محققة لتجاوز المشكلة.
هذه حال العديد من الدكاترة الذين توجهوا لتشرين بعد تقدمهم لمسابقة المدرسين التي أعلنت عنها وزارة التعليم العالي بعد سنوات عديدة من الانتظار، والتي أثارت السخط والدهشة تجاه ما جرى من خروقات لها ولما جاء في إعلانها، كما يشير أصحاب الشكوى، من الدكاترة، ولم يكتب لهم النجاح تحت حجج واهية كما يقولون.
ويذهبون لأكثر من ذلك بالقول: «اعتدنا أن يمارس الفاسدون فسادهم بكثير من التستر، أما أن يعلنوه بجرأة فتلك سابقة خطيرة، وأن يأتي ذلك بالتزامن مع بدء مشروع الإصلاح الإداري الذي أطلقه السيد الرئيس، أمر يؤكد أنهم يشكلون شبكة تمتد على مساحة الوطن، وأنهم يقفون صفاً واحداً في مواجهة هذا المشروع، ونحن بدورنا نؤكد التفافنا حول قيادة السيد الرئيس لنواجه ذلك الفساد، وننجِح مشروع الإصلاح الإداري، ولو كلفنا غالياً».
يضيفون: «من خلال إعلان وزارة التعليم العالي رقم 373/011030/ 5، تاريخ 15/12/2016 ظهر جلياً أن هذه المؤسسة التي يعول عليها أن تكون دليل الوطن ومرشده إلى بر الأمان تمارس الفساد علناً، وبسابق التخطيط وكل الإصرار، حيث تم ارتكاب الخلل في كل مراحل هذه المسابقة، فتم تفصيل الاختصاصات، والتعديل، والحذف، والإضافة، لدرجة أن المعنيين في الوزارة صرحوا أنهم سيعالجون خلل المسابقة القائمة بمسابقة لاحقة، فأي مسابقة تلك التي تحتاج إلى مسابقة أخرى لتصحيح خللها؟!».
مسابقة انتظرتها الجامعات تسع سنوات، وحين صدرت تبين أنها تحتاج مسابقة أخرى لتصويب خللها، فهل ستنتظر الجامعات والمؤهلون تسع سنوات أخرى؟ وإذا صدرت مسابقة أخرى، فما الضمانة ألا يقع الظلم ذاته، والخلل نفسه، والفساد عينه؟
خلل جعل حملة شهادة الدكتوراه في جامعاتنا يتوصلون لقناعة أنه لا منقذ في هذا الوطن من الفساد إلا السيد الرئيس، وأصبحوا يصرحون علناً أن تعيين الكوادر في عضوية الهيئة التدريسية بشكل عادل، أصبح يحتاج إصدار مرسوم، يحقق مبدأ تكافؤ الفرص، ويمنع الفاسدين من ظلم الآخرين والتحكم بمصيرهم من دون وجه حق.
المخالفات المرتكبة في مسابقة عضوية هيئة التدريس المشار إليها، غدت حديث الشارع لكثرتها، من دون أن يرف للمسؤولين عنها جفن، ومن دون أن يبدوا أسفاً، أو رغبة في معالجتها، مسؤولون يتمادون بتعسفهم، فيديرون أمور الناس من زاوية مصالح شخصية ضيقة، ويقررون مستقبل أصحاب الكفاءات والكوادر العلمية بكل استهتار، وبصلافة وتعنت وكأنهم يديرون أموراً في مزارعهم الخاصة.
ففي هذه «المسابقة» بعد تحديد الاختصاصات التي تحتاجها الأقسام والكليات أصولاً، تم في بعض الجامعات حذف وإضافة وتعديل كثير من الاختصاصات بطريقة غير قانونية (من دون قرارات مجالس على مستوى الجامعة كمجلس الشؤون العلمية، ومجلس الجامعة، ومن دون العودة للكليات أو الأقسام)، وكانت أمور المسابقة محصورة في معظم مراحلها بشخصين فقط (رئيس الجامعة وأمينها).
إن استعراض الاختصاصات التابعة لكلية الزراعة في جامعة تشرين على سبيل المثال، يبين حجم الخلل المرتكب، حيث تم حذف سبعة اختصاصات (بعضها تطالب به الأقسام منذ خمس سنوات، وتعديل خمسة، وإضافة اثنين أحدهما لا علاقة له بمواد القسم المضاف فيه الاختصاص، وقد احتج أحد رؤساء الأقسام المعنية بكتاب رسمي مسطر عليه حاشية عميد الكلية، لكن هذا الكتاب طوي في رئاسة الجامعة ولم يعالج حتى تاريخه).
أيضاً في إحدى الكليات تم استبعاد خيرة الكوادر المتميزة من الناحية العلمية من خلال حذف اختصاصاتهم (أحدهم لديه 18 مقالاً باللغة الإنكليزية منشورة في مجلات عالمية)، والمفارقة الأكبر أنه تم طلب خمسة اختصاصات لخمسة كوادر تعمل في الكلية نفسها، أربعة منهم لم ينشروا بعد حصولهم على شهادة الدكتوراه مقالاً علمياً واحداً!
وما يحز في النفس أن بعض الاختصاصات تم تفصيلها، وطلبها بأدق التفاصيل، وأحياناً تمت إعادة تعديلها أكثر من مرة لتتطابق تماماً مع مؤهلات البعض، أما الأخطر فهو إضافة اختصاصات لم تطلبها الأقسام ولا تحتاجها الكليات، هذه الاختصاصات تمت إضافتها وفرضها على الكليات وعلى المعنيين بالأقسام، والمضحك المبكي أنه تمت أحياناً إضافتها في كليات غير موجودة أصلاً كالظن بأن هناك كلية زراعة في القنيطرة (كتاب وزارة التعليم العالي رقم 948 تاريخ 3/1/2017)، وهذا في حد ذاته يشكّل فضيحة أكاديمية. وأحياناً أخرى تمت إضافة اختصاصات ضمن أقسام لا علاقة لموادها بالاختصاص المطلوب.
أما أصحاب المؤهلات الذين لا حول لهم ولا قوة فقد حذفت اختصاصات الكثيرين منهم، رغم كفاءاتهم وتميزهم العلمي والوظيفي، هذا الحذف لم يأت لضغط النفقات، بدليل إضافة اختصاصات غير مطلوبة وبأعداد كبيرة، وإنما أتى لعدم وجود مصالح شخصية لأصحاب القرار مع أصحاب هذه الكوادر أو لأسباب كيدية في أحيان أخرى. ولم يمر من هذه المصيدة إلا عدد قليل، وبعض الذين حذفت اختصاصاتهم في جامعتهم رغم الحاجة الماسة لهذه الاختصاصات اضطروا للتقدم إلى جامعات أخرى، ونافسوا وأثبتوا وجودهم، وتالياً سيتركون بيوتهم وعائلاتهم وأولادهم، ليلتحقوا بجامعات تبعد مئات الكيلومترات عن أمكنة إقاماتهم ( حلب، أو طرطوس، أو حتى الفرات).
في مرحلة لاحقة، تم العمل لاستبعاد الكثير من أصحاب الكفاءات الذين مروا من المصيدة الأولى، وذلك من خلال نصب شرك بإسم تنفيذ القانون، حيث تم تحت تسمية عدم مطابقة الإجازة الجامعية استبعاد الكثيرين (بينما تم تجاوز هذه النقطة في اختصاصات أخرى، عندما استدعت مصلحة أصحاب القرار الشخصية). ولذر الرماد في العيون، وامتصاص غضب الذين وقع عليهم الظلم، تم فتح باب الاعتراضات، ولكن مرة ثانية لم يستفد من هذه المبادرة إلا الذين استطاعوا أن يصلوا لأصحاب القرار، بينما الآخرون الذين يتمتعون بمبررات قانونية أكثر منهم تم الإبقاء على استبعادهم.
تشرين السورية










Discussion about this post