أكثر جملة كرّرتها الدبلوماسية الأمريكية خلال الحرب على سورية تتمثّل في “قصف بالخطأ”، وحدث “صدفة”، ولأن لا مجال للخطأ في حرب الكبار، خاصة إذا تكرّر بصورة شبه يومية، ولأن تسلل الإرهابيين من أمام عيون الأمريكيين وتحالفهم “الاستعراضي” لا يمكن أن يتمّ إلا في إطار التنسيق الكلي بين الطرفين، فذلك معناه أن واشنطن لا تريد إنهاء الحرب ولا القضاء على الإرهاب الذي لا يزال يؤدي الغرض المطلوب منه في القتل والتدمير ومحاولة تمرير مشاريع التفتيت والتقسيم، ولا تريد حل التحالف، الذي يؤمّن لها موطئ قدم في المنطقة للاستمرار في التدمير الممنهج، ولا ضير إن قتلت آلاف المدنيين طالما أن الذريعة جاهزة والمجتمع الدولي صامت عن المجازر والكوارث..jpg)
مشكلة أمريكا أنها لا تريد الاعتراف بالهزيمة، فالاعتراف بالنسبة لها أصعب من الهزيمة نفسها، ولهذا فهي تناور وتماطل، مرة عبر تأمين الغطاء لـ “داعش” لتقول بأنها لا تزال موجودة ويمكن أن تنسف كل جهود محاربته، وأخرى بقصف طيرانها خبط عشواء بهدف القتل ولاشيء سواه. تلك الممارسات كانت محط انتقاد روسيا التي بينت بالوثائق مدى الانغماس الأمريكي مع التنظيمات التكفيرية، وكان رد موسكو على تسلل المئات من داعش من الحدود العراقية باتجاه سورية، دون أن تحرك واشنطن ساكناً وإعلانها بأن ذلك حدث صدفة أنه إذا كان الأمر كذلك فإن الطيران الروسي سيضرب هذه الصدفة، ذلك يدل على أن موسكو تريد رسم قواعد اشتباك جديدة لمواجهة اللامبالاة الأمريكية.
ما يعني أننا، والحرب تضع أوزارها، بدأنا نتلمس إعادة تشكيل للمحاور، فهناك من يريد الانتقال مرغماً من ضفة إلى أخرى كتركيا والسعودية.. انتقال فرضته تطوّرات الأحداث في المنطقة في ضوء إنجازات الجيش السوري ووصول البل إلى ذقونهم بعد استفتاء البرزاني، وغرق النظام السعودي في وحل اليمن بالإضافة إلى أزماته مع دول الجوار، ناهيك عن فرار مئات الإرهابيين إلى تركيا وعودة آخرين إلى أرض الحجاز وهذا بالمجمل، جعلهم يرتمون في الحضن الروسي، حيث بدا واضحاً أن النظام التركي قد اتخذ قراره بالخروج من تحت العباءة الأمريكية، والضربة الروسية لقيادة تنظيم النصرة قبل يومين في ريف إدلب دليل على أن أردوغان اتخذ قراره بالنزول عن شجرة المطالب المستحيلة،
فيما جاءت زيارة الملك سلمان إلى روسيا لتكون بوابة لتنفيذ الانعطافة الكاملة فيما يتعلق بالملف السوري وإرساء تفاهمات جديدة على أساس وقف دعم السعودية للإرهاب والتخلي عن تدخلاتها وتصريحاتها “العنترية” في شؤون دول الجوار.
إذن، نحن في مرحلة تشكيل محاور جديدة، وهذا لا يعني أن النظام السعودي، ولا حتى التركي سيخرجان من التبعية لأمريكا، ولكنهما سيتخذان مواقف أكثر براغماتية لحماية أنظمتهما من تداعيات ارتداد الإرهاب.
بعبارة أخرى، محور الحرب على سورية بدأ بالتفكّك، مقابل زيادة التعاون والتنسيق بين سورية وحلفائها لحصد ثمار الانتصار وولوج عالم جديد متعدّد الأقطاب ينهي الهيمنة الأمريكية على القرار الدولي. وما الألاعيب الأمريكية والإصرار على عدم التعاون في محاربة الإرهاب إلا خطوة في الهواء، ولن يطول الوقت حتى تهرول، ومعها الغرب الذي يسير في ركبها، باتجاه القبول بواقع الميدان وحقيقة انتصار محور المقاومة.
عماد سالم – البعث











Discussion about this post