عناية جابر.jpg)
شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية
المطر وفيّ. أشعر أن للمطر ولاء تجاه الناس البُسطاء وتجاه الأشجار والعشب والحيوانات والموانىء. المطر يُهذّب أمزجة الناس ويُرقّقها، ويمنح وجوههم مشهداً مُتفكّراً، مُتأمّلاً ويجعلهم يجيدون الصمت ويحترمون السكينة. يقفون تحت المطر أو أمام نوافذهم من دون النظر إلى أشياء بعينها كما لو الماء النازِل رسائل من السماء. يصمت الناس تحت المطر كأنهم داخل أرواح لا يريدون إغضابها بالكلام.
هذه المقالة في لَعْن الصيف ليست عبثيّة أو فُكاهية ومزاجية، بل وثيقة إنسانية صادِقة، مكتوبة نتيجة التكدّر، والهزّات الداخلية التي يُحدثها القيظ والصيف فيّ. أستسلم لحدوث الصيف بفزعٍ وخوف، وأعرف مُسبقاً أن حدوثه يُعطّلني تماماً، يُسيء استغلالي ككائنٍ ضعيف ويستعملني بوحشيّة، ويتشّكل تماماً مثل جهّنم صغيرة أُكابدها، قبل تلك التي قد تكون تنتظرني آن يحلّ وقت الحساب.
بالنسبة لهذه الأيام الصحراوية بامتياز، أعترف أنني مشلولة جسداً وروحاً وفكراً، إذ لم أعْتد مثل هذا الحرّ الخانِق على مدى ما تعاقبَ على عمري من فصولِ صيفٍ. يوشِك هذا تحديداً أن يُدمّرني بكلّي. قابليّتي على الانجراح جسدياً وعاطفياً مُستدامَة في الصيف.
قرّرت بالأمس بعد أن أعياني نقص الهواء، أنني لن أجلس هكذا كالبلهاء أرثي نفسي، وعليّ الدفاع عنها من خلال الكتابة، الطريقة المُثلى الوحيدة لتصفية هذا الأمر .. وكل الأمور . حسناً، ارتميتُ في كتابةِ الكلمات، وأردتها قوية إلى حدٍّ يُمكنّها من العيش رغم الدبق والعرق، رغم الأتون الذي يُلهبني وتخدش لطماته صميمَ نقائي..jpg)
الكتابة عن الحب؟ أبداً، ليس الصيف رديفاً للحب، حتى أن الكتابة فيه لم تعدْ تُرضيني لا صيفاً ولا شتاء. أحتاج إلى المناورة، وإلى استرحام لغة ذات بأس تمنح مسامي الحيّة والميتة، أسلوباً في مُعاندة الصيف. كنت أشعر بالخوف من وصول لغتي إلى القارىء مُبلّلة، ما يُحدِث ضرراً في وسائط تعبيري التي أحرص على أن تكون عالية، لكن مخاوفي كانت أقلّ من تصميمي.
من لحظة الكتابة بعيداً عن لغة الحب الرخوة، إلى لحظات أخرى لا تقّل شأناً، بدأتُ بتشكيل نصٍّ يُترجِم قرفي من الصيف وكُرهي للشمس العدوانية الحارِقة التي تُعطّل عمل الحواس. نصّ مُتحرّر من عاطفتي السقيمة إلى الحنان. نصّ قوي لتوجيه وصنْع معنى شخصي جداً، وكاره لهذا الفصل من السنة.
على طراز بدائي مسنود بمخيّلة مُلتهِبة، تجمّعت الكلمات التي حرصت أن تبدو شتائم "مُثقّفة ". خطر على بالي أنه في حالتي اليائِسة، لا بدّ من أن للشتائم "المُثقّفة" أولوية وأهميّة فائقتان للنجاة بنصّ حقيقي قبل فوات الأوان. كتبت كأني أحتاج أن أقول إن لي جسداً وروحاً يتألّمان خارج عاطفة الحب تلك، وإن ما يؤلمهما يهّم، يهمّني أنا طبعاً، وإن حاجتي للماء وللشتاء وللبرودة تفوق بكثير حاجتي للحب.
المطر وفيّ. أشعر أن للمطر ولاء تجاه الناس البُسطاء وتجاه الأشجار والعشب والحيوانات والموانىء. المطر يُهذّب أمزجة الناس ويُرقّقها، ويمنح وجوههم مشهداً مُتفكّراً، مُتأمّلاً ويجعلهم يجيدون الصمت ويحترمون السكينة. يقفون تحت المطر أو أمام نوافذهم من دون النظر إلى أشياء بعينها كما لو الماء النازِل رسائل من السماء. يصمت الناس تحت المطر كأنهم داخل أرواح لا يريدون إغضابها بالكلام.
في نشأتي (عند جدّتي) في بلدة جبلية مُتفاهِمة مع الغيم، ظننتُ أن الضوء المطحلب الذي رافق عيشي هناك، موجود في كل مكان. بلدة يغمرها المطر أكثر السنة، الضوء فيها مُسالِم وناعِس كضوء قبل الفجر بقليل، يُخفّف من حدّة ألوان الطبيعة ويجعل الأشجار تقترب مني كما لو إبنتها. كنت أتنزّه وعيناي مفتوحتان على سعتهما، لا حاجة لسترها من بزوغ الشمس، وانقضاضها على رأسي كما في عيشي البيروتي في ما بعد .
لون الضباب هو فخّي إلى الحب، وهو ما شدّني إلى الغناء والموسيقى وكتابة الشعر. بالإضافة إلى المطر الذي يهطل مِدراراً على "بعبدا " حيث طفلة تستضيفني جدّتي، وإلى نوعيّة مُلطّفة من الضوء بفعل المطر نفسه. احتجت القُرب من الماء، ليس ماء الينابيع والبُرَك، بل البحر الكبير، وقد كان بحرها كما لو اعتذار بيروت منيّ، وتعويضها لي عن نقص البَلَل الذي أصابني فيها.
هذا الصيف مُروّع، وقصائدي التي أكتبها، أسرقها من خيالات المطر لحضور الرمادي فيها. أصنع قصائدي حتى الغرامية منها ما يُعادل تسعين بالمائة منها من "المياه " وعشرة بالمائة من قوة الكلمة والصورة والخيال. الشتاء والبهجة التي يمدّها على قلبي، ساهما في الصبر والفضول اللذين قوّيا قدرتي على التقاط التفاصيل.
مشلولة أجل، في الحرّ الفاجِر وألهثُ خلفَ الكلمات وتبحث هذه عن طريقها إلى المعنى من جديد. معنى النقمة والرغبة في فَهْم طبيعة انتقام الكلمات. في النتيجة، كتبتُ ما شاء لي في لَعْن الصيف، وانتهيت إلى أنني وصلت إلى نصرٍ من نوعٍ ما، وإلى العدل الوحيد المُتوفّر لي في الكتابة، لتنفيس غضبي، وتبجيل الشتاء الآتي لا ريب. كتاباتٌ لتعديل رؤيتي المُغبّشة إلى الكثير من أمورِ حياتي، ومنها ما هو أدهى وأمرّ وأكثر مُكراً من الصيف نفسه.
ما يُعزّي فعلاً، هو حقيقة معرفتي بأننا فعلاً في فصل الصيف، وبأن الصيف راحِل لا محالة ليأتي بعده الشتاء وليس العكس. الفصول التي رتبّها الرّبُ لهذا البلد الجميل علينا أن نُحبّها كلها، على مَن يُريد الحياة أن يتحمّلها بكل تقلّباتها، خارج إحساسه الخاص وخارج ميوله ومزاجه، سوى أنني .. أكره الصيف، أكره الصيف وأعترف، إذ لا يليق بكائن رقيق الجسم أن يتآكله الغضب من جسارة القيظ على جسمه، وينعكس هذا الغضب على كل يوميّاته وكائنات تلك اليوميّات.
المصدر: الميادين نت











Discussion about this post