مع إعلان إدارة ترامب تخلّيها علناً عن “النصرة” واعتبارها هدفاً للولايات المتحدة تتضح استراتيجيتها أكثر، وتتبين سياستها للمرحلة المقبلة، وهي سياسة ليست بجديدة على واشنطن في انقلابها على أدواتها بعد أن أنهت المهمة الموكلة إليها، أو وصلت إلى حد لم يعد بالإمكان الاستفادة منها في مواصلة مشروع المحافظة على مصالحها الجيوسياسية. ولأن استخدام قتلة الإرهاب الجوال في التنفيذ سلاح ذو حدين، وفي مرحلة ما يمكنه أن يتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له، ويضرب حتى المشغّل، فقد استبقت إدارة ترامب ذلك بإعلان الحرب عليهم قبل أن تقع الفأس بالرأس، فأحداث 11 أيلول لا تزال مرتسمة في ذاكرة كل الأمريكيين..jpg)
ترامب، الذي اعتبر محاربة الإرهاب أولوية، بدأ بالفعل اتخاذ إجراءات على أرض الواقع تمثّلت بإغلاق برنامج تسليح “المعارضة” السورية، ولم يعرقل تصويت مجلس الأمن على قرار منع حصول الإرهابيين على السلاح، وأخيراً تخلّى عن أكبر فصيل إرهابي يقاتل في سورية المتمثّل بـ”النصرة” والمنضوين تحت جناحه، وهي إجراءات تؤكّد بالمجمل أن أمريكا تتجه نحو التقارب مع روسيا فيما يتعلق بالملف السوري، وفتح قنوات لتسوية سياسية للأزمة فيها وفق مساري أستانا وجنيف. بعبارة أخرى فإن الانعطافة في الموقف الأمريكي قد بدأت بالفعل بعد أن أعطي المرتزقة الوقت الكافي لتنفيذ مخطط إسقاط الدولة السورية وفشلوا بذلك، وبات لزاماً على الولايات المتحدة تبديل سياساتها والخروج بشيء من ماء الوجه.
وعليه فإنه لن يطول الوقت حتى نتلمس بلورة أكثر للموقف الأمريكي إزاء محاربة الإرهاب، بموازاة ذلك مواصلة ترامب ابتزاز الخليج مقابل رفع الشبهة عن بعض دوله التي دعمت التطرّف، ووضع ملفات على الطاولة ستجعل السعودية والإمارات وقطر تسارع ليس لإفراغ خزائنها فحسب، بل وبيع ممتلكاتها السيادية للمصالحة على دعاوى رفعها المتضرّرون من أحداث أيلول في أمريكا، وتقدّر بـ 4 آلاف مليار دولار، مستفيداً بذلك من حال التشرذم التي وصلت إليها الأمة، جراء الصراعات المفتعلة بينها، وانقياد حكام الخليج الأعمى وبحماقة وسذاجة سياسية قلّ نظيرها للسيد الأمريكي.
إذن نحن اليوم نحصد نتاج لعبة الأمم، حيث أن البيادق والخونة والمتآمرين لا مكان لهم فيها، وإن بقوا مستملكين للعروش في بلادهم، فهذا بحد ذاته أكبر إنجاز يحلمون به، في حين أن أمريكا وحلفاءها في الغرب – وعلينا أن نكون واقعيين في ذلك – فإنهم بأذرعهم الطويلة وهيمنتهم على المنظمات الدولية، إن لم يحققوا كل أهدافهم، فهم حققوا جزءاً منها، أو على الأقل لم يخسروا جندياً أو دولاراً واحداً خلال حرب السبع سنوات الماضية، بل إنهم جنوا مليارات الدولارات مقابل صفقات الأسلحة مع دول الخليج، والتي من المتوقّع أنها ستزداد خلال المرحلة المقبلة، مستفيدين من الأزمة الخليجية، والتي تعمل أمريكا على النفخ في نارها. وبالتالي فإن حكام الممالك والمشيخات بلعوا الطعم الأمريكي الذي حذّرت منه الدولة السورية منذ اندلاع ربيع الخراب، والذي أوصل منطقتنا إلى هذا الحال، حيث تنشغل الدول التي ابتليت بالمرتزقة في محاربتهم، ويستفرد ترامب باقتسام الكعكة الخليجية مع حلفائه الأوروبيين.
في ضوء ما يجري على أرض الميدان وفي كواليس السياسة، فإن سورية وحلفاءها انتصروا في الحرب، وارتدادات الانتصار ستقع وبالاً على الخليج، فالمؤكّد أن الإرهابيين وبعد الانكسارات والانهيارات السائدة في صفوفهم سيعودون إلى بلد المنشأ لمتابعة مشروعهم “الجهادي”، في حين ستتبع واشنطن سياسة المنشار وهي تنفّذ استدارتها، والمستهدف الرئيسي هو نفط الخليج. بعبارة أوضح.. حكام الخليج سيموّلون عمليات الجيش الأمريكي المقبلة في مكافحة التنظيمات التكفيرية، وفي الوقت ذاته زجهم في صراعات بينية، وذلك في أجواء البحث عن كبش محرقة لتحميله مسؤولية تفشي سرطان الإرهاب..
في النهاية هذه هي أمريكا، وهذه خاتمة كلّ من ارتضى أن يضع ثروات بلاده تحت تصرف المتكالبين عليها.
البعث











Discussion about this post