ربما كانت عبارة “عدم اليقين” هي الوصف الأمثل لمجريات وأحداث، ولربما نتائج، جولة “جنيف السابعة”، التي انطلقت أمس، ففيما تتقدّم دواعي التشاؤم التي رافقت الجولات السابقة بأسبابها المعروفة، تمنح رياح التفاؤل، التي أطلقتها بعض الأحداث التي سبقت انعقاد هذه الجولة، الأمل بحدوث تقدّم ما، ولو في واحدة فقط من السلال الأربع، التي اتفق على مقاربتها بالتوازي في الجولة الخامسة من “جنيف”، لكن التعنّت – الأمريكي تحديداً – بالتوازي مع الأوهام التي ما زالت تراود البعض جعل من الجولة السادسة مجرد فاصل أممي مملّ في مسلسل “جنيف” الطويل..jpg)
ودون الدخول في التفاصيل المعروفة للجميع، فإن دواعي التشاؤم التي رافقت “جنيف” منذ انطلاقته، يمكن تلخيصها بأن الأحداث والوقائع والمواقف المتغيّرة، سياسياً وميدانياً، جعلت من النصّ الذي كتب صيف 2012 نصاً مفارقاً للواقع ومتناقضاً معه، وما الإصرار على التمسك به حرفياً سوى جهل تشريعي ممن لا يعرف قاعدة “تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان”، وخطيئة سياسية لمن يعتقد أن السياسة أحلام ورغبات وليست وقائع جامدة وحقائق باردة فقط لا غير، لكن بشائر التفاؤل يمكن التقاطها من حدثين هامين: الأول، سقوط “دولة الخرافة” في عاصمتها الموصل وانحسار مكانتها المستمر في “الولايات السورية” منذ تحرير حلب تحديداً، والثاني، بعض التصريحات والتسريبات التي صدرت من واشنطن، وتوحي بما يبدو وكأن “توجّهاً جديداً بشأن الوضع الحالي في سورية” قد بدأ يأخذ مكانه لدى الإدارة الأمريكية الجديدة، مع إصرارنا على وضع خطوط عديدة تحت جملة “التوجّه الجديد” هذه، لأن “البيت الأبيض يعاني من فوضى كبيرة” بحسب “جون ماكين” رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي.
فإذا كان سقوط “داعش” في جانب منه هو إسقاط لبعض الخطط التي رسمت في أروقة مراكز “الثينك تانك” الأمريكية، والمنادية بأن يكون لهذا التنظيم الإرهابي مساهمته الخاصة في تطبيق التفسير الغربي لجنيف الأول، عبر استنزاف الدولة السورية – والعراقية أيضاً – إلى أبعد مدى ممكن، بحيث تصبح جاهزة لتنفيذ الاشتراطات والإنذارات، وبالتالي فإن هذا “الإسقاط” يفترض عودة الواقعية السياسية والمقاربة البراغماتية لحكام واشنطن. فإن “لحظة حلب”، وما تلاها من تمدّد ميداني كبير للدولة السورية، غيّرت قواعد اللعبة بالكامل، وخلقت واقعاً “لم يعد بإمكان الإدارة الأمريكية أو القوى الإقليمية تغييره”، بحسب باحثة في معهد “الشرق الأوسط” في واشنطن، واقع كانت “أستانا” بجولاتها المتعددة، رغم العوائق التي وضعت في طريقها، أبلغ تعبير عنه، فيما كان اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب السوري، باعتباره أول وثيقة توقّع عليها واشنطن، وما يعنيه ذلك من “انخراط للولايات المتحدة الأمريكية بقوة في العملية السلمية السورية”، بحسب مسؤول أممي، تعبير آخر عن “لحظة حلب”، يمكن للمتفائلين ترصيده في خانة سلة مكافحة الإرهاب، لتصبح هي السلة الأكثر قابلية للتقدّم في ظل التطوّرات الحالية، مع التأكيد الدائم على جملة “إن صدقت النوايا” لمن يبحث عن حلول سلمية للأزمة كما يعلن الجميع.
ولأن “الملدوغ يخاف من الحبل”، كما يقول مثلنا العربي الشهير، فإن التشاؤم يعود للبروز في ظل الأحداث الخليجية الأخيرة بين فريقين يمتلك كلاهما فائضاً مالياً كبيراً وفائضاً أكبر من التطرّف الديني والإرهابي، ويرعى كل منهما قسماً من وفد “معارضة الرياض”، وخلافهما، شاء البعض أم أبى، سيرخي بظلاله على “جنيف”، وربما يدفع بـ “دي ميستورا” إلى تخصيص وقت أطول لعقد جلسات حوارية طويلة بين “جماعة السعودية” و”جماعة قطر” في هذا الوفد، الأمر الذي سيكون له دور مؤثر في منع اختراق كبير وواضح، وسيجعل من الجولة الجديدة مجرد رقم آخر في سلسلة طويلة لن تنتهي إلا باعتراف أمريكي واضح بأن اللعبة قد انتهت، كما قال “روبرت فورد”، وبأن الواقعية السياسية تستوجب القبول بما هو ممكن اليوم، لأنه سيكون صعباً غداً، ومستحيلاً بعد غد.
البعث











Discussion about this post