لم تنته الأزمة الخليجية بعد، ورغم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة التي تبدو أقرب الى محاولة مدّ حبل النجاة الى قطر التي طعنها ذوو القربى فجأة في الظهر، فإن أمريكا لم تصدر بعد فرمان الصفح عن الإمارة المنكوبة بجيرانها، ولم تأمر عملاءها الخليجيين بإنهاء العقوبات المفروضة عليها، وإعادتها صاغرة الى بيت الطاعة
الخليجي، فذلك لن يحدث، كما يبدو، قبل أن تدفع قطر لأمريكا، كما دفعت السعودية، فالمال معبود ترامب، وبدونه لا حلول جدية في الأفق. تلك إحدى الفرضيات التي يمكن أن تكون صحيحة، وتصريحات الوزير الأمريكي وأهمها مطالبته بتخفيف الحصار عن النظام القطري، ربما كانت تمهيداً لملء الجيب الأمريكي بالمليارات القطرية هذه المرة…
لكن هذه الفرضية، على وجاهتها، لاتبدو كافية لتفسير ماحدث ويحدث بين الإخوة الأعداء، لهذا ربما كان من الأفضل اللجوء الى النظر الى الأزمة من زاوية أكثر شمولاً وعمقاً. من هذه الزاوية يبدو أن اللعنة السورية قد حلت على من كانوا أكثر المتورطين في سفك الدم السوري، وهما السعودية وقطر، ولهذا أصبحت ضرورة التخلص من شبح اللعنة المخيّم على المنطقة تقتضي كبش فداء يتم تحميله وزر الإرهاب التكفيري الذي أخفق في تحقيق أهدافه ومخططاته المرسومة، وأصبح الاستمرار في دعمه وتبييض وجهه بعد الانتصارات الاستراتيجية التي حققها الجيش العربي السوري بداية من تحرير حلب، وصولاً الى التقدم الكبير في عمق البادية السورية، ضرباً من العبث السياسي الذي يفاقم أزمة داعمي الإرهاب، ويفضح دورهم الإجرامي في العدوان على سورية أكثر مما يستر عورتهم، ويُبعد عنهم التهمة.
لقد كان الجميع يعرف، العدو قبل الصديق، أن الإيديولوجيا الوهابية وأختها الإخوانية هما المسؤولتان عن الدمار الهائل الذي لحق بالدولة الوطنية السورية، لكن الفشل الذي مُني به الحاملان السعودي والقطري لهاتين الإيديولوجيتين، فرض التضحية بأحدهما لإنقاذ الآخر. وقد شاهدنا ذلك الكم الخرافي من الأموال التي قدمتها «الشقيقة الكبرى» لترامب كي يبيّض صفحتها الوهابية التكفيرية السوداء التي لم يتردد لحظة واحدة في اتهامها عندما كان مرشحاً للرئاسة، ليوجّه أصابع الاتهام الأمريكية فترتفع معها أصابع الاتهام الخليجية ضد قطر راعية الإيديولوجيا الإخوانية، مما يحقق أهدافاً عدة ليست تبرئة الشقيقة الشريرة الكبرى إلاّ أحدها، أما الأهداف الأخرى، فأهمها تقديم رأس «حماس» لنتنياهو المتعطش لدم المقاومة، وإعلان التطبيع الصهيوني العربي الإسلامي الذي طالما كان الهدف الأكبر للكيان الصهيوني المجرم.
ومع أن التحالف الأمريكي الصهيوني الرجعي العربي كان يعرف تماماً أن قطر لم تفتح أبوابها إلاّ للجناح السياسي المنحرف من «حماس»، فإن الهدف كان شيطنة المقاومة الحماسية التي بقيت قابضة على جمر السلاح رغم انحراف عملاء قطر، وبذلك أضيفت «حماس» ومعها، كتحصيل حاصل، كل حركات المقاومة الفلسطينية الى حزب الله الذي سبق أن صنفه مجلس العمالة الخليجي حركة إرهابية، لتصبح المقاومة هي العدو المشترك للكيان الصهيوني والرجعية العربية حليفته.
بهذا يتمكن ترامب بعد أن حَلَب ماحَلَب من البقرة السعودية السمينة من الانتقال الى حَلْب البقرة القطرية منفذاً هدفاً حيوياً، هو أحوج مايكون له لتعزيز موقفه الداخلي المهزوز من جهة، ومقدماً «لإسرائيل» ماكانت تعتبره حتى الآن حلماً بعيد المنال ألا وهو الحلف العربي الإسلامي الصهيوني ضد المقاومة من جهة أخرى.
لكن السؤال هنا هو: وماذا بعد دفع قطر ماعليها وعودتها الى الحظيرة الخليجية، وماذا بعد ظهور هذا «الناتو» المسخ المعادي للمقاومة؟.
هل سيغير ذلك من الواقع الميداني في المنطقة، ويحقق للكيان الصهيوني أهدافه على الأرض؟ الجواب هو بالنفي طبعاً، فقد علمتنا التجارب المتتالية مع العدو الصهيوني، ولاسيما في العقود الأخيرة، أن «اسرائيل» صارت محكومة بالفشل الذريع في أي حرب مع المقاومة سواء كانت حرباً في لبنان أو فلسطين أو سورية… أو كانت حرباً شاملة في مختلف الميادين.
وإذا،ً فإن الرابح الحقيقي، رغم ذلك السرك الكبير الذي رقص فيه ترامب مع السعوديين رقصة العرضة، هو محور المقاومة. أما الخاسر فهو بلدان الخليج التي تحصد اليوم ما جنته أيديها، وتأكل السمّ الذي صنعه طباخوها. لكن علينا ألا ننسى رابحاً آخر، وإن كان ربحه مالياً وفيراً ربما فاق الخيال، هو التاجر ترامب.
البعث











Discussion about this post