حتى اليوم لم يتمكّن ترامب من بلورة استراتيجية متكاملة كان يريدها جديدة ومختلفة, فما عمل عليه بعد تسعين يوماً من وصوله إلى البيت الأبيض هو مجرد محاولة بائسة لنيل الاعتراف بشخصه وقيادته، رغم أنها محاولة لم تحظ إلا بتصفيق بعض أتباعه, لم ير بداً من استعادتهم رغم حملة انتخابية صاخبة أُشبعت بالتهجم عليهم والتوعّد بمحاسبتهم. بعد ثلاثة شهور، يعمل ترامب على ملء فراغ التخطيط الاستراتيجي لفريقه بانقلاب ثان يتمثّل في العودة إلى سياسات بوش، والنبش في أدراج المحافظين الجدد المتخمة بالمقاربات الجنونية، والتي باتت، كما يبدو، ورغم فشلها الذريع، ذخيرة جاهزة في متناول كل أولئك المغامرين والمفلسين ممن يبدو أن المسرح السياسي الأمريكي، لمرحلة ما بعد انهيار التفرّد الأمريكي بالزعامة العالمية، سوف يعج بهم، بانتظار العودة إلى الرشد وإجراء المراجعات العميقة المستندة إلى الاعتراف الموضوعي بالحقائق الدولية الجديدة..jpg)
حتى الآن، لا يرى ترامب أفضل من الانقضاض على تركة سلفه أوباما في الشرق الأوسط على الأخص، ماداً يده إلى متقاعدي البنتاغون وقدامى عملاء الـ “سي آي إي”، الذين كانوا اختبروا مرارة الهزيمة في العراق وأفغانستان، واعتبروا أن الاتفاق النووي مع إيران هدّد العلاقة الاستراتيجية مع “إسرائيل”، وأضعف مصداقيتهم تجاه الدول الخليجية، والذين كان هناك من حمّلهم مسؤولية التردّد والتخبّط تجاه الموقف في سورية. وعليه، فقد تمثّل أقصر وأسهل الخيارات في الاستدارة بزاوية 180 درجة، ومعاودة الانطلاق من نقطة البداية: إحياء التحالفات الأمريكية التقليدية في المنطقة عبر بوابة سعودية إسرائيلية مشتركة، والاحتواء النهائي لسياسة خارجية مصرية لا تزال مفتوحة – في ظل الرئيس السيسي- على احتمالات متباينة وغير محسومة، والإدماج العملياتي المباشر للبنية العسكرية للنظام الأردني، تحت عنوان “مكافحة الإرهاب ومحاربة النفوذ الإيراني”، في قوام المهام القتالية التدخلية الأمريكية في المنطقة العربية، وإعادة الاعتبار لنظام أردوغان عبر إشراكه في صياغة وتنفيذ تفاهمات استراتيجية إقليمية محددة؛ أي، وباختصار، اعتماد “محور اعتدال” مرحلة ما بعد “الربيع العربي”، من خلال توسيع المحور السابق ليضم “إسرائيل” وتركيا، والانتقال به، هذه المرة، من الضغوط السياسية والاقتصادية إلى الانخراط في العمل العسكري، بمشاركة إسرائيلية باتت مطلوبة، وعلى مختلف جبهات قتال التحالف المسمى عربياً، في سورية والعراق واليمن، وغداً في الأراضي الفلسطينية.
الشيء الوحيد الذي أبقى عليه ترامب من تركة أوباما هو العمل على إضعاف “داعش”، وليس تدميره أو تقويضه، والأهم الرهان على إخراج “جبهة النصرة” من قائمة التنظيمات الإرهابية، عبر محضها صفة محلية (“وطنية”!؟) بقرار من التحالف الغربي. والانطلاق، في سبيل ذلك، أولاً، وقبل كل شيء، من التشكيك بالاتفاق النووي مع إيران ومدى انسجامه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية، وإعادة العمل باسطوانة دعم الجمهورية الإسلامية للتنظيمات الإرهابية، وبالتوازي، وفي عملية مواربة تسجّل أعلى مستوى من الخبث والمقايضة السياسية واللامسؤولية الأخلاقية، التشكيك باتفاقية تخلي سورية عن مخزونها الكيماوي تمهيداً لاعتبارها (الاتفاقية) لاغية، بدورها، والبدء بذلك من خلال تركيب سيناريوهات اتهامية بترتيب مسبق مع الاستخبارات الفرنسية والسعودية (خان شيخون)، وبالتواطؤ دائماً مع المجموعات الإرهابية التي لا تزال مدرجة على قائمة العملاء بالوكالة للاستخبارات المركزية الأمريكية. وكل ذلك على أمل تهيئة الظروف السياسية والقانونية للضغط على سورية، وفصلها عن حلفائها، وفتح ثغرة يمكن من خلالها نزع الاعتراف، جزئياً أو كلياً، عمّا تحقق في جنيف وأستانة، بهدف إتاحة الفرصة لتقديم “اللمسة” الأمريكية الخاصة في التسوية السياسية المنشودة.
قد يلبي كل ذلك متطلبات الأجندات السعودية والقطرية والتركية والإسرائيلية، ولربما يخلق الوهم بإمكانية خروج ترامب من استعصاء تطبيق برنامج حملته الانتخابية من خلال اختراع التوليفة الذهبية التي تمكن، بضربة واحدة، من استرضاء الاستابليشمنت الحاكم واستنزاف الأرصدة الخليجية الجاهزة، خاصة وأن الأسر الحاكمة في الخليج تدرك اليوم أنها لا تواجه استحقاق تنامي دور محور المقاومة في المنطقة، بل وتواجه استحقاقات مشرعة على أسوأ احتمالات التغيير الداخلي، ولربما أشدها رعباً ودموية. وهنا، قد يجد ترامب نفسه في المربع الأول ذاته: مراجعة “اللا استراتيجية”!.
جريدة البعث











Discussion about this post