رغم سلبياته الكبرى، باعتباره اعتداءً همجياً غير مشروع على دولة عضو في الأمم المتحدة، إلا أن العدوان الأمريكي المباشر على مطار “الشعيرات” حمل إيجابية واحدة بالغة الدلالة،
لأنه رفع الستار عن حقيقة طُمست تحت جبل من الأكاذيب والوقائع المتعددة، وهي أن المعركة، في جوهرها، معركة استقلال وطني ثالثة يخوضها الشعب السوري خلال مدة زمنية تكاد لا تتجاوز قرناً واحداً ضد احتلال أجنبي آخر، معركة تبدو بحسب الوقائع والدلائل أصعب وأخطر من سابقتيها في ظل عالم أكثر تعقيداً وصعوبة وتوحشاً من عالم القرن العشرين الذي شهد المعركتين السابقتين.
فإذا كان الاستقلال الأول عن الاحتلال العثماني قد ترافق مع ظروف الحرب العالمية الأولى وانقسام العالم إلى معسكرين كان العثمانيون في الجانب الخاسر منه، كما ترافق الاستقلال الثاني عن الاحتلال الفرنسي مع ظروف الحرب العالمية الثانية، التي وإن كانت فرنسا في الجانب المنتصر منه، إلا أنها كانت تعيش آخر أيامها كامبراطورية استعمارية، فإن معركة الاستقلال الثالث تخوضها سورية اليوم ضد تحالف يضم جُلّ الرابحين والخاسرين من الحربين العالميتين السابقتين، مضافاً إليهم جيوش لا عدّ لها ولا حصر من مرتزقة وإرهابيين وأعراب وأغراب بقيادة مركزية مباشرة من البيت الأبيض الذي، وللمفارقة، خرج رابحاً من الحربين العالميتين السابقتين، ومن الحرب الباردة بعدهما، ليرث دول الاستعمار القديم ويطوّعها مع غيرها لخدمة مخططاته وأهدافه المعروفة.
وبالطبع قد يجادل البعض، وهم يفعلون يومياً، في إنكار ذلك وتسفيهه، فكما كان للمحتلّ العثماني، والفرنسي لاحقاً، أسبابهما “الدينية” أو “التنويرية” لتسويغ الاحتلال، وأدواتهما الداخلية لترسيخه و”نخبهما” الثقافية لتبريره، وتزخر صفحات التاريخ بأسمائهم وأدوارهم المشينة ضد أبناء جلدتهم، فإن للمحتلّ الجديد أسبابه “الإنسانية” و”نخبه” وأدواته أيضاً، وكما كشفت الوقائع الماضية تهافت أسباب المحتل القديم و”ذيلية” أدواته ونخبه ونفاقها، فإن الوقائع الحالية تكشف فساد ذرائع المحتلّ الجديد و”ذيلية” أدواته ونخبه الحالية، وربما كان ما تتداوله دوائر القرار في واشنطن، رغم النفي المراوغ، عن إرسال 50 ألف جندي أمريكي إلى سورية، أكبر دليل على صفة الاحتلال المباشر، لأن هؤلاء لم يأتوا للسياحة بل لوراثة “داعش” إثر صدور قرار الاستغناء عن خدماته بعد أن قام بالدور المطلوب منه على أكمل وجه، وأصبح عبئاً على صانعيه الذين لم يبخلوا عليه وعلى “أشقائه” بالرعاية والتمويل والتسليح والحماية السياسية في منظمات الأمم المتحدة وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، وهذه “الوراثة” بالتحديد كانت السبب المباشر لإنشاء ما يسمى بـ “التحالف الدولي”، الذي لم يكن له من دور سوى تدمير البنى التحتية والخدمية للدولة السورية، وإضعاف قدرتها على مواجهة الإرهاب عبر تدمير بنيتها العسكرية وقوامها البشري، سواء في جبل “الثردة”، أو في غزوة “الشعيرات” التي كانت، فضلاً عن ذلك، رسالة واضحة مفادها أن واشنطن، التي فشلت في السيطرة على البلاد بالكامل خلال الفترة الماضية، تريد الآن حصة جغرافية واقتصادية وسياسية وازنة في الدولة السورية المقبلة.
قصارى القول، هي معركة صعبة ومعقدة وبالتالي يجب أن تُخاض على مستويات عدة يبدو المستوى العسكري، رغم أهميته الكبرى، واحداً منها فقط، فهناك المستوى الفكري، الديني والثقافي، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهذه مسؤولية الجميع، لأن البديل هو الدخول في نفق مظلم لن نخرج منه في المدى المنظور.
بيد أنه من الواجب التنبيه إلى الملاحظة التاريخية المعبّرة التالية: إذا كان استقلال سورية الأول علامة على أفول مباشر للامبراطورية العثمانية التي كانت رجل العالم “المريض” حينها، والثاني علامة على نهاية ناجزة للامبراطورية الفرنسية التي كانت قد بدأت تتهاوى وتنحدر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى تقريباً، فهل يكون الاستقلال الثالث طريقاً إلى “خلخلة” أسس الامبراطورية الأمريكية تمهيداً لغروب شمسها لاحقاً، خاصة وأن الدلائل تشير إلى أنها، ورغم نزوعها نحو “إنكار الواقع”، كما قال لافروف، تخسر اليوم وبصورة متواصلة موقعها الأحادي في “قيادة العالم” لمصلحة عالم “تغيّر وبات متعدّد الأقطاب”؟!!
جريدة البعث











Discussion about this post