وصلنا الى مرحلةٍ من التأسّف والحنين القاتل إلى الماضي في زمنٍ ودولٍ لا همّ لها سوى الهروب من الحاضر والتسابق على المستقبل بكلّ المعاني والأبعاد. بات لا يمكن التوفيق بين
زمنين، زمن الحرب الباردة الأولى بمحاسنها وإيجابياتها وكأنّنا نتوق إليها شعوباً ودولاً، حيث كنّا ننتمي الى ما كان يعرف بالعالم الثالث، وزمن الحرب الباردة الثانية الحافلة بالإنقسام والألغاز والسهولة في ترداد القول بالحرب العالمية الثالثة التي تكرّرها الألسن والنصوص.
كانت الحرب الباردة الأولى، وأقترح تسميتها بمرحلة "التفاوض المستحيل" وتعكس مدى الإستقرار الذي عاشته خلالها معظم البلدان في ملاعب السياسة العالمية بكونها أعضاء تنتسب فقط الى إحدى الدولتين العظميين أميركا أوالإتحاد السوفياتي.
كان من الصعب على هذه الدول الإنتقال المعلن أوالسرّي ( وليس هناك من أسرار تخفى على الدول الكبيرة) بين هاتين الدولتين إلاّ إذا ذكرنا ما حصل مع الصين ومصر تحديداً في تنقّلهما بين الجبارين. وكانت هناك إلتزامات دولية كبرى وتفاهمات وقواعد وخطوط حمراء معلنة وإتفاقيات موقّعة وغير مصدّقة بين الكبيرين. هي علاقات كانت قائمة وممكنة التعديل ومحتملة دوماً ولتاريخٍ طويل وفقاً لتبادل المصالح. وقد وصلت أحياناً الى حدود ضبط مخاطر الأسلحة الفتّاكة والحروب المدمّرة . لم تكن العلاقات بين الجبّارين رسمية بالطبع، بل كانت تولّد مناخات من التنافس الحذر والرعب الدائم غير المعلن الذي كان يذكّر الجميع دوماً بمخاطر الحروب الكونية وكوارثها وقدسية التفاوض الحافل بالألغاز والأسرار والمستحيلات، وخصوصاً في المحافل والمؤسسات الدولية.
وكانت معظم دول العالم ومنها بعض بلادنا العربيّة والإسلامية تحاول وبنسبٍ مختلفة ممارسة لعبة تأليب قوة عظمى على أخرى وتكون من نتائجها التنافس أحياناً في الحصول على المساعدات الإقتصادية أو الدفع للإنخراط في الصراعات المحلية والإقليمية المضبوطة التي تحوّل المساعدات غالباً الى إستنزاف جشع للدول الصغيرة الغنيّة بمواردها الطبيعية والبشرية.
الحرب الباردة الثانية، وأقترح تسميتها بمرحلة "الإنهيار الشامل" عبر حقائب الحروب المتنقّلة التي بدأت بطغيان السياسة العالمية الجديدة التي أعلنتها أميركا تحت عنوان نهاية الحرب الباردة الأولى وسقوط الاتحاد السوفياتي وصولاُ الى نسف الكثير من أنظمة الدول الصغيرة وبعثرتها في غياهب هائلة من الدمار السياسي والمعنوي والإقتصادي الهائل.
لقد طفا على السطح بين الحربين ويطفو سبب أو حافز واحد يشغل العالم هو هذه الشبكات العالمية الهائلة من الإسلاميين المتطرّفين التي لا يحوقها تحليل أو العثور على حلول ثابتة نهائية لمخاطرها. هي مظاهر تجمع الدول وتفرّقها وتخلطها في آن واحد. باتت هذه الشبكات قادرة على الضرب في كلّ بلد عظيماً كان أم غير عظيم وفي أي وقت وفي مفاجآت غير متوقعة. من حيث المبدأ، تيرز هذه الشبكات متنقّلة في أرجاء الوطن العربي قابلة لأن تلصق وتجذب إليها جميع الأوصاف السلبية والإيجابية، وقابلة لأن تشكّل معظم أسباب الإنقسامات الهائلة التي تقض مضاجع العرب والمسلمين والعالم.
يدفعنا هذا الإنهيار الشامل بين حربين باردتين يتشابهان في الإسم ويتنافران في المضمون الى طرح سؤآلين:
1- لماذا إتّبعت تلك التنظيمات الإسلامية الراهنة التي لا تحصى بأعدادها وفي طليعتها داعش خطّطاً إجرامية عامّة معلنة وإستراتيجيات إعلامية دقيقة التنظيم والأهداف فجعلت صورها منفّرة ومقزّزة وأكثر من مكروهة عند الشعوب، خصوصاً عندما ركّزت وغالت على إشاعة صور القوة والبطش والخوف والسحق والحرق وغيرها ممّا يتناقض مع الحضارة والعصر والدين؟
لماذا لم تترك هامشاً أو صوراً ولو بسيطة لأعمالها الخيرية أو خدماتها التي كان تدّعي أو يفترض توفيرها أو إيجادها في المناطق التي سيطرت عليها؟ ألم يكن خلف هذا كلّه إيديولوجيات غامضة وحافلة بالألغاز تخلط الدول الصغيرة والكبيرة ببعضها البعض، كما تخلط الدول الكبرى ببعضها البعض حتى تشويه الدين الكامل وتفريغه من رسالته وتعبئة الفراغ بإنصياعات وتجاذبات مكلفة وبتفاهمات دولية سريّة هائلة تعيد وضع بلادنا فوق مشرحة عنوانها الصراع بين المسلمين؟
2- ومقابل السؤآل الأوّل، وفي ظلّ هذه السياسة العالمية الجديدة الملتبسة بكونها باردة وشديدة السخونة، ما هي التحديات والخيارات المطروحة أو الباقية أمام الدول الإسلامية الكبرى سوى دفعها المفروض للتخلّي عن عقائد الماضي وتكييف سياساتها لمواجهة المخاطر والتحدّيات والأمور غير القابلة للتوقّع، في ظلّ عدم الاستقرار وتعقيدات هذا العالم الجديد الذي لم يعثر على هويته الجديدة بعد؟
يبدو الخيار الأوروبي للمسلمين معدوماً لأنّ سبحة أوروبا مهددة بالإنفراط، وتبدو القدرات في تنفيذ سياسة خارجية مستقلّة لتلك البلدان في الشرق الأوسط أو غيرها معدومة أيضاً بل هي غير قابلة للإستقرار بعد. ويبدو الخيار الإسلامي الصحيح معدوماً أيضاً بسبب ما أشاعته تلك التنظيمات في العالم وهو ينتشر بفوضاه وعنفه أكثر من سواه في مناطق متنوّعة جداً من العالم ولا يمكن لأيّ دولةٍ أن تتبنّاه لأنّه يعني الفوضى والضغوطات التي تجمع الدول الكبرى، خصوصاً بعدما أخفقت الولايات المتّحدة في تنصيب نفسها دولة قيادية في الشرق الأوسط وهي لطالما جهدت بإندفاع خاطيء في تقديم تركيا لهذا الغرض الكبير.
من هي الدولة الأنسب من غيرها لتأدية هذا الدور القيادي؟
لا جواب على سؤال مستحيل أكثر ممّا هو صعب، لأنّ الدول الإقليمية لم تتمكّن من تحديد دورها النهائي بعد في القرن الحادي والعشرين لأنّها مشغولة جداً بأمنها وتطورها وإستقرار إقتصادها ومشغولة بتصويب صورة الإسلام وتنقيته وتقديمه للعالم.
ولهذا كلّه وطوال عقود، بقيت السياسات الخارجية والأمنية تتطلّع بحنين نرجسي الى نمط من أنماط الحرب الباردة الأولى الذي كان يخدم مصالح البلاد جيداً.
سنمار الاخباري – موقع النشرة











Discussion about this post