كثرة التصريحات الأميركية وتواليها مع اختلافها بين الحين والآخر، وتفاوتها بين التصعيد والتهدئة بُعيْد الخرق الواضح للقانون الدولي من قبل واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية على قاعدة الشعيرات السورية، يبدو أنها تعبِّر عن حالة من الارتباك والتشوش، ولا تنم عن ثقة في النفس، ومصداقية في القرار وصوابه، فضلًا عن أنها لا تعكس أي مبادئ إنسانية، فمن يصر على الإقدام على مزيد من الخرق للقانون الدولي وانتهاك سيادة الدولة السورية لمجرد مزاعم وأكاذيب وافتراءات، دون أدلة تصدر عن جهة محايدة وتتمتع بالمصداقية والموضوعية والعقلانية الكافية والمقبولية لدى جميع الأطراف، لا يسير عكس مسار الشرعية الدولية والقانون الدولي فحسب، وإنما يؤكد بما هو ثابت أن لديه أهدافًا ومشاريع وأجندات تغلف بجوانب وقضايا إنسانية بحتة لخداع عوام الناس والمغيبين والمعزولين عن الواقع، سعيًا إلى تحقيقها وإنجازها..jpg)
وفي الحقيقة، إن حالة الارتباك والتشوش الواضحة على الطرف الأميركي هي أمر طبيعي ومؤكد حدوثه، ويرجع السبب في ذلك إلى أمرين اثنين لا ثالث لهما: الأول: إن الأميركي يعلم تمام العلم حقيقة حادثة خان شيخون في محافظة إدلب، وما إذا كانت هي حادثة حقيقية أم مفبركة؟ فإذا كانت حقيقية يعلم أيضًا من أين أتت ومن أدخلها ومن استخدمها ضد المدنيين؟ أو قام بتخزينها وضد من ينوي استخدامها؟ وذلك قبل أن يقدم الأميركي على ما أقدم عليه ليوقع مدنيين سوريين قتلى وجرحى بذريعة الانتقام لمدنيين سوريين في خان شيخون تزعم الروايات المعادية للدولة السورية أن الجيش العربي السوري هو من قام باستخدامها ضد هؤلاء المدنيين. وإذا كانت الحادثة غير ذلك، فإن الأميركي لن يكون خارج دائرة ما حدث في خان شيخون. الثاني: قوة وصلابة الموقف السوري المتمثل أولًا في الشعب السوري والجيش العربي السوري والقيادة السورية، حيث عبَّر الشعب السوري عن إدانته للضربة الأميركية وغضبه وامتعاضه، وخرج في مظاهرات منددة ومستنكرة، وفي القدر الكبير من الحكمة والتحلي بالصبر الذي ظهر عليه كل من الجيش العربي السوري والقيادة السورية في استيعاب الضربة العسكرية، والهجمة الإعلامية والسياسية الممنهجة والمعدة سلفًا والمرتبة ترتيبًا واضحًا لمرافقة تطورات الأحداث قبل أن يخرج الماكينات الإعلامية الداعمة للتنظيمات الإرهابية في سوريا على العالم وتفاجئه بمزاعم السلاح الكيماوي ضد المدنيين في خان شيخون، ثم بعد ذلك صلابة الموقف وقوته لدى حلفاء سوريا الصادقين والمخلصين، الذين والوا مواقفهم المقترنة بالأفعال، سواء في مجلس الأمن الدولي أو قطع اتفاق التنسيق العملياتي لتفادي الحوادث الجوية فوق السماء السورية، أو الجاهزية المطلقة للرد على أي عمل عسكري آخر، بالإضافة إلى تزويد سوريا بما تحتاجه من أسلحة تدافع بها عن نفسها.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أمس أنه لا يخطط للتدخل في سوريا ضد القوات الحكومية، على الرغم من أنه أمر بتوجيه الضربة على قاعدة الشعيرات. فقد قال خلال مقابلة مع قناة “فوكس بيزنس” التلفزيونية: “نحن لن نذهب إلى سوريا”، ودافع عن قراره توجيه الضربة إلى قاعدة الشعيرات، قائلًا إنه اتصل مع وزير الدفاع جيمس ماتيس فورًا بعد أن رأى صورًا للأطفال الذين لقوا مصرعهم بنتيجة استخدام السلاح الكيميائي في إدلب.
إن مثل هذه الأقوال بحاجة إلى أفعال تدعمها وتثبت مصداقيتها، ففي الشمال السوري لا يزال يشهد تضاعف أعداد الجنود الأميركيين، والقواعد العسكرية الأميركية في الشمال السوري أيضًا، في انتهاك واضح لسيادة الدولة السورية، كما أن كلام ترامب بأنه بمجرد ما رأى صورًا لضحايا قيل له إنهم ضحايا سوريون ليتخذ قرار الضربة العسكرية بصورة متعجلة يثير علامات استفهام كثيرة، ويعبِّر عن تسرع في الحكم، ووفقًا لهذه الرواية من الممكن أن يأتي أي مسؤول أميركي ويعرض صورًا من أي بقعة في العالم ويدعي أنها لضحايا سوريون سقطوا بهجوم كيماوي وأن من قام به هو الجيش العربي السوري، فسد الذرائع هنا متعذر لدى ترامب بطلب إجراء تحقيق مستقل وأمين، لا سيما وأن هناك أعداء عديدين يتربصون بالدولة السورية ويسعون إلى تدميرها وتمزيقها ويعملون على توريط الولايات المتحدة في ذلك، كما عملوا من قبل على توريطها في أفغانستان والعراق.











Discussion about this post