كل رفيق بعثي أو قومي أو تقدمي عاش تجربة النضال التي سبقت ثورة 8 آذار 1963، وتابع الأحداث التي أعقبت انتصار هذه الثورة، وقدّر له أن يتابع مسيرتها حتى الآن، يدرك حقيقة الاختبارات القاسية والتحديات الكبيرة التي واجهها التيار القومي العربي في محاولة الحيلولة بينه وبين تحقيق الأهداف القومية في الوحدة والحرية والاشتراكية..jpg)
كان يفترض بحكم المنطق أن يكون التحدّي الصهيوني بالنسبة للعرب هو التحدّي الأكبر الذي يجتمعون لمواجهته، ويعملون على بناء قواهم بهدف إجهاض مخططه. وحين نتحدث عن التحدّي الصهيوني فإننا لا نتحدث فقط عمّا يمثله الكيان الصهيوني وحده، وإنما نتحدث أيضاً عن القوى الإمبريالية التي صنعت هذا الكيان وتساند أطماعه العدوانية – التوسعية، وهي القوى التي لا تبخل عليه بأيّ إسناد من أجل تمكينه من تحقيق غاياته. لكن تطوّر الصراع، والأشكال التي اتخذها، دللت على أن الرجعية العربية لعبت دور مخلب القط الذي يخدم الإمبريالية والصهيونية، ونظرت إلى التيار القومي على أنه العدو الذي يهدّد وجودها ممّا يبرّر لها العمل على تقويضه بكل السبل والوسائل. ونحن نرى اليوم كيف أن هذا المخلب قد نما وتطور على شكل تنظيمات إرهابية تكفيرية تستغل في الحرب الرامية لنشر الفوضى والخراب في كل مكان.
والواقع أن المشكلة لو وقفت في ذلك الزمن عند حدّ التحدّي الرجعي العربي وحساباته لهان الأمر، فهناك مشكلة أخرى سادت العلاقة بين الأنظمة والأحزاب العربية، وكانت بمثابة الداء الخطير الذي يحتاج ليس فقط إلى العلاج، ولكن أيضاً إلى تفسير. وهذه المشكلة تمثلت في رفض العمل الحزبي بشكل كلي من قبل بعض الأنظمة، أو في التحزب المقترن بالتعصب، سواء كان هذا التحزب سرّياً أو علنياً، بحيث غابت ظاهرة الحوار الديموقراطي في العلاقة بين الأحزاب، حتى وإن كانت هذه الأحزاب تمثل تياراً واحداً. وهذه واحدة من أغرب الظواهر التي شهدها الوطن العربي، والتي أثرت بشكل سلبي للغاية على الأوضاع العربية. وإذا نحن استثنينا بعض ملامح التجربة الديموقراطية التعددية في لبنان، فإن الأقطار العربية الأخرى، جميعاً دون استثناء، عانت لبعض الوقت إما من غياب التعددية الحزبية لصالح نظام الحزب الواحد، أو من منع الأحزاب بشكل كلي. ونستطيع القول إنه حتى في سورية، وبعد حل الأحزاب في فترة الوحدة، وما تركه ذلك من تأثير على نشاطها، فإن تجربة الحزب بعد ثورة الثامن من آذار عام 1963 مرت بمراحل متعددة قبل أن يتم تبني التعددية الحزبية، وتنظيم العلاقة بين الحزب القائد وبقية الأحزاب ضمن الجبهة الوطنية التقدمية، وقد كان هذا التطور بمثابة إنجاز كبير في بناء نمط جديد من العلاقة بين الأحزاب الوطنية والتقدمية على الأقل، ينقل هذه العلاقة من حالة التنافس الحاد إلى حالة التعاون الجاد! وهو تطور حققته الحركة التصحيحية بقيادة الرفيق حافظ الأسد عام 1970.
والواقع فإن إنجاز الوحدة بين مصر وسورية عام 1958 كان ينبغي أن يكون نقطة البداية في توجه عربي مستمر ومتصاعد باتجاه تحقيق الوحدة العربية. وقد رأينا كيف أن حزب البعث العربي الاشتراكي ارتضى بأن يحل تنظيمه في سورية ومصر، وحتى في قطاع غزة، على أمل أن تكون هذه الوحدة هي قاعدة التأسيس للوحدة العربية الشاملة التي يستمر النضال من أجلها. وقد جاءت ثورة 14 تموز 1958 في العراق لتصعّد الأمل في خطوة أو خطوات إضافية باتجاه الوحدة، ولكن ما حدث في العراق من انقلاب على الرفاق، وما واكبه من عنف دموي مارسه حزب يصنف على أنه أممي وتقدمي آنذاك، كان مفاجئاً حقاً، وإن كان عنصر المفاجأة فيه لم يكن كبيراً، لأن العلاقة بين الأحزاب جميعاً دون استثناء – كما أسلفنا – كانت علاقة قطيعة وتنافس حاد، ولكن نقل هذه العلاقة إلى مستوى العنف الذي يؤدي إلى قتل الكثيرين كان حدثاً مفجعاً ومروّعاً. والأهم أن انقلاب عبد الكريم قاسم على البعثيين، ومحاكمة وإعدام العديد من الرفاق، شكل جزءاً من نهج حال دون الوحدة المأمولة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة. وكانت تلك هي الصدمة الأولى للتيار القومي. وتمثلت الصدمة الثانية في الانقلاب الذي نفذه الانفصاليون، يوم 28 أيلول 1961، على دولة الوحدة، وأدى إلى إجهاض التجربة الوحدوية الأولى.
إن ما حدث في العراق من عنف مورس ضدّ البعثيين ومن إعدامات ظالمة، وما حدث في سورية من انفصال عن دولة الوحدة وما تجسده من أمل، هما حدثان خطيران فرضا على الحزب أن يطور من أساليب نضاله، فكانت ثورة 8 شباط 1963 في العراق، و8 آذار 1963 في سورية، بعد ثورة 26 أيلول 1962 في اليمن، هي التعبير العملي عن هذا التطوير. ورغم الإنجاز المتحقق في كل من دمشق وبغداد، فإن الشهور القليلة التي أعقبت هذا الإنجاز كشفت عن مشكلات ليست قليلة. فالمحاولة المبذولة لتحقيق الوحدة الثلاثية بين سورية ومصر والعراق تعثرت، وثورة الحزب في العراق تعرضت لانقلاب دبره عبد السلام عارف، في 18 تشرين الثاني 1963، وتواطأ معه فيه جناح يميني من الحزب أباح لنفسه مداهمة المؤتمر القطري للحزب بالسلاح وقتل العديد من الرفاق، وأدى هذا الحدث ووقائع أخرى إلى وقوع الحركة التصحيحية الأولى في سورية، يوم 23 شباط 1966. وبالمقابل وجدت مصر نفسها في حرب طويلة ضد قوى يدعمها النظام السعودي في اليمن.
لقد استؤنفت العلاقة بين مصر وسورية بدءاً من أيار 1966، وكان يمكن لهذه الخطوة أن تكون مقدمة لاستئناف مسيرة الوحدة، إلا أن هذا الاحتمال في حدّ ذاته كان أحد العوامل التي سعرت الخطط المعادية للعمل على توجيه ضربة للتيار القومي بشقيه البعثي والناصري. وإذا كانت هناك وثائق منشورة تبيّن استنجاد النظام الحاكم في السعودية بالكيان الصهيوني لتحريضه على شن الحرب، فإن الحقيقة التي لا يمكن لأي باحث أن يستبعدها هي أن الصهاينة كانوا قد خططوا لعدوانهم على مدى زمني ليس بالقصير، وأنهم رتبوا أمورهم بتنسيق كامل مع الامبريالية والرجعية العربية. وقد وجدوا في عدوان الخامس من حزيران عام 1967 فرصتهم ليس فقط للتوسع، ولكن أيضاً لإضعاف التيار القومي العربي لحساب الرجعية العربية، قبل أن يتمكن هذا التيار من ترسيخ قواه وتطوير قدراته واستئناف مسيرته نحو الوحدة. فكانت حرب حزيران العدوانية، أو “حرب الأيام الستة”!!، وما نجم عنها من نتائج، محاولة للإجهاز على هذا التيار وليس فقط لإضعافه. وإذا كان لنا أن نفهم معنى ما أعقب ذلك الحدث من تطورات، ومنها حرب تشرين التحريرية عام 1973 التي شكلت صدمة للعدو الصهيوني، ثم سلسلة الصراعات المتتابعة مع العدو الصهيوني وخططه، ومع الأطراف التي تقف وراء هذا العدو، فإنه يكفي أن نقول بأن ما أنجزته ثورة الثامن من آذار، على مستوى بناء الإنسان والمجتمع والاقتصاد والقدرة الدفاعية، وخاصة منذ تطبيق البرنامج الذي وضعته الحركة التصحيحية عام 1970، هو الذي كفل للقطر العربي السوري أن يصمد في “حرب السنوات الست” التي شنتها عليه الولايات المتحدة على رأس ائتلاف الثمانين، منذ عام 2011 وحتى الآن.
إن استغرابنا لظاهرة اختراق مجتمعنا من قبل القوى المعادية، ونجاحها في تضليل البعض ممن كنا نشعر بأن احتمال تضليلهم هو أمر استثنائي للغاية، إنما مصدره في الواقع أن سلاح المعلوماتية والإعلام المعولم، الذي جرى استثماره في إدارة مؤامرة ما أسمي بـ “الربيع العربي”، إنما جرى استثماره على هذا النحو، وبهذه الأدوات، لأول مرة في التاريخ، وأن ما حشد لإدارته من أطراف وأدوات وأموال كان أكبر من كل تصور، وأن انحراف الجماعات الإرهابية التكفيرية، رغم ما نعرف عن خلفية استثمار أمريكا لها في أفغانستان، ما كان يمكن تصوره بحيث تتحول هذه الجماعات إلى أدوات تتحكم بها أمريكا وإسرائيل والأطراف الأخرى التابعة لأمريكا. وقد رأينا كيف أنه جرى تصفية أسامة بن لادن في أيار 2011 على يد الأمريكيين، أو ربما على أيدي عملائهم المزروعين في تنظيم القاعدة، لأن الرجل الذي أسس القاعدة تحت شعار محاربة اليهود والصليبيين ما كان من السهل أن يحارب السوريين لحساب “اليهود والصليبيين”، ولكن هناك آخرين في القاعدة فعلوها، ولعل أسامة بن لادن لم يكن الوحيد الذي جرت تصفيته لترويض القاعدة لتؤدّي الدور الذي طلب منها في سورية، فالاغتيالات التي يمارسها الأمريكيون من حين إلى آخر ضد بعض القياديين في القاعدة ربما كانت ناجمة عن حصولها على معلومات تدل على تململهم من التبعية لأميركا والصهاينة، فيجري التخلص منهم أولاً بأول لضمان استمرار التحكم بالإرهابيين.
ولم تكن “القاعدة” والتنظيمات الشبيهة بها هي وحدها التي استثمرت أمريكياً، ومن ثم صهيونياً، بل وجدنا جماعة “الإخوان المسلمين” تنخرط في تنفيذ المخطط المرسوم، وما زالت منخرطة في تنفيذ هذا المخطط، رغم أن أوراق هذا المخطط باتت مكشوفة للجميع، ورغم أن هذا الانخراط ألحق بها الأذى في العديد من الأقطار العربية، وسيعكس تأثيره عليها مستقبلاً، ولزمن طويل، بعد أن تكشف انحرافها الذي لا يمكن تبريره، واستعدادها لخيانة أماناتها في التعامل مع الآخرين، هي والتنظيمات المرتبطة بها.
عبد الرحمن غنيم
كاتب وباحث من فلسطين










Discussion about this post