“إذا أردت أن تتعرف على بلدٍ ما وعلى إرادته و حظه من الحضارة والمدنية، فاستمع إلى موسيقاه” وإن كنت تودّ أن تعلم ثقافة شعبٍ على مرّ الزمن فعليك أن تدرك على ما يحيى عند الأزمات وما يبقى به ليعد إيحاء ذاكرةٍ قد تشوهها الحروب ، مثل القدود الحلبية التي ولدت عام 306 م ولا تزال باقية.
القدود الحلبية من الفنون الموسيقية السورية الأصيلة التي اشتهرت بها مدينة حلب منذ القدم، وعرفت القدود منذ زمن القس السرياني مار افرام 306 م الذي دعى الناس وعمل على ترغيبهم للحضور إلى الكنيسة للاستماع لها..jpg)
وقام القسّ حينها بإدراج الألحان الدينية التي يألفها الناس في طقوس يوم الأحد ومن ضمنها كانت انطلاقة القدود وعرفت وقتها بقدود القس “مارافرام” للكنيسة السريانية التي هي أقدم القدود في حلب.
القدّ في اللغة هو القامة والمقدار واصطلاحاً هو أن تصنع شيء على مقدار شيء، وشيء على قد شيء في الإيقاع والموسيقى وما يوافقهم.
وفي القد قد تتماثل القافيتان وحرف الروي في المجمل وهذا هو القد في أحد معانية.
أما القدّ الحلبي أو القدود الحلبية فلها معنى أخر، فيقال أن القد والموشح متجانسان ومتشابهان لكن القدّ نوع موسيقى وغناء يختلف عن الموشح المشهور في حلب كذلك وهو أكثر تقصيداً.
والموشح أمتن تأليفاً وأعلى صنعة وأشد ترابط وأبسط وأسهل من حيث إيقاعاته، هذا من الناحية الموسيقية واللحنية، أما من حيث النص الشعري فالقدود والموشحات توأمان.
يحتوي كلّ منهما على الشعر القويّ والألفاظ الرفيعة المعاني الجميلة المحتوى، وقد برع عدد كبير من شعراء القدود في دمشق وحلب وبعض المدن والمناطق في سورية.
وأشهر أصحاب القدود الحلبيّة هم الشيخ عبد الغني النابلسي، محمد الدرويش، شاكر الحمصي، الشيخ عيسى البيانوني، أبو أحمد اسكيف، جمال الدين ملص، حسن حساني، بكري رجب، رضا الأيوبي وغيرهم.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أضاف الحلبيون إلى تراثهم الموسيقي الغني أغانٍ شاعت كثيراً وأساليب غناء تطورت وعرفت من ضمن ألوان الغناء العربي مثل القدود الحديثة و والموال والطقطوقة.
وتطورت “الطقطوقة” بعد ذلك على يد سيد درويش وأحمد صبري ومحمد القصبجي ورياض السنباطي وداود حسني وزكريا أحمد، ويعتبر الشيخ عمر البطش من أهم من لحن الموشحات وكان من منشدي الزوايا الهلالية “الصوفية” في حلب.
وأبرز القدود التي خرجت من سورية للعالم “يا مال الشام”، “قدك المياس”، “تحت هودجها” والتي غناها عمالقة الطرب السوريّ أمثال صباح فخري وشادي جميل، حمام خيري وصبحي توفيق وصفوان العابد، صبري مدلل
وعن خاصية القدّ الحلبي قال الموسيقي والباحث محمد قدري دلال فيه أنّ أهم خاصية للقدود الحلبية أنها سهلة لكونها تأتي من أغانٍ شعبية، فهي تناسب الاحتفالات والأفراح لكونها بسيطة مريحة لا تجهد من يغنيها إيقاعاً أو لحناً.
وساهمت القدود اليوم بشكلٍ كبير في المحافظة على التراث الموسيقي العربي حيث أدى تغيير الموضوعات بانتشار أكبر لألحانها مما أدى إلى ثبات الألحان الأصيلة في الذاكرة الشعبية.
وتغنى القدود في معظم دول الوطن العربي وفي سورية بشكل خاص ولكنها تنتشر بشكل أساسي في مدينة حلب حيث لها طقوسها وأماكنها الخاصة وتكاد لا تخلو مناسبة دينية أو دنيوية من هذا اللون الطربي .
كما أصبحت حفلة الطرب الحلبية تحمل شهرة كبيرة عربية عالمياً ،ولذلك بدأت تنظم حفلات للقدود والموشحات في عواصم أوربية وفي مدن عربية بشكل متكرر.
سنمار الإخباري











Discussion about this post