مثّلت عملية انتقال السلطة الرئاسية في تفاصيلها الظاهرية، التي تجلت في حفل التنصيب، استمراراً لتقليد عريق. كل مراسم المناسبة من الأعلام الأمريكية، إلى حضور الشخصيات الهامة، إلى أداء القسم جاءت وفقاً للتقاليد. جلس الخصوم السياسيون حول المنبر، كما يفعلون كل أربع سنوات، تصافحوا، وصفقوا لبعضهم البعض، وتبادلوا المجاملات اللبقة بما يعبّر عن الكرامة الوطنية.jpg)
لكن كل هذا في الواقع كان غير حقيقي، فجاء خطاب ترامب بمثابة إعلان حرب على كل ما تمثله هذه البروتوكولات المنمقة. “الرئيس ترامب”- حان الوقت كي نعتاد على سماع هذا الوقع- لم يأتنا بعبارة خالدة في ذلك اليوم.
لم تترسخ كلماته في عقولنا بشكل يثير حماستنا، كما كانت كلمات لينكولن أو روزفلت أو كنيدي أو ريغان، لكن رسالته كانت شديدة الوضوح، فقد جاء ليدمّر المظاهر الخارجية للوحدة والاستمرارية التي يمثلها الانتقال السلمي للسلطة، ولعله نجح في ذلك.
في عام 1933حث الرئيس روزفلت العالم على الانتصار على الخوف، وفي عام 2017، أخبر ترامب العالم أن عليه أن يخاف كثيراً. جاء خطابه مريراً، ومتعجرفاً وتافهاً، وملتهباً بكراهية للسياسة واحتقاراً لها ولمنظومة التوازنات الأمريكية، وكان موجهاً إلى أولئك الذين صوتوا له، وليس إلى الأغلبية التي لم تصوّت له…جاءت المقولة الوطنية “أمريكا أولاً” فجة وغير خجلة، وتخلل الخطاب احتقاراً لكل شيء في العاصمة التي يسعى الآن إلى إخضاعها لإرادته، لكنه كان خطاباً خاوياً من أي تفصيل، ولم يكن واضحاً حول كيفية تحقيق أهدافه، حتى قبل أن يبدأ بالكلام كانت العاصمة على أعصابها في انتظار اكتشاف ما تعنيه رئاسة ترامب، واعترى العالم توتر حول ما يحدث في أمريكا، فجاء ما قاله ترامب ليعزز هذا التوتر وتلك المخاوف.
عادة ما يبدأ الرؤساء، ولايتهم بوعد الشروع في طريق جديد. فإن صدقنا ما قاله الرئيس ترامب، فسيشكل انتخابه وخطاب القسم الذي قرأه أكبر هزة لواشنطن في التاريخ المعاصر.
السؤال الأهم للمستقبل، هو هل نصدّق الرئيس ترامب؟ سخر ترامب في خطابه من أولئك الذي يقولون ولا يفعلون، لكنه قد يصبح واحداً منهم، فقد رفع سقف التوقعات من رئاسته إلى حد عالٍ جداً من خلال إصراره على أن كل شيء سيتغير “في الحال”، ولكن هل سيقع هذا التغيير؟.
لقد تضخمت سلطة الرئيس الأمريكي عبر العقود المنصرمة، ومنحت انتخابات 2016 الحزب الجمهوري السيطرة على كل أذرع الحكومة، لكن السيد ترامب حتى هذه اللحظة ليس ديكتاتوراً، فعليه أن يحكم مع الكونغرس الذي لا يشاركه كل أولوياته، ووفقاً لقوانين تفسرها المحاكم، ولدى الولايات الكثير من السلطة لتحديه، كما هي حالة كاليفورنيا في موضوع بناء الجدار على الحدود مع المكسيك.
قيل إن الناخبين اختاروا السيد ترامب لأنه سوف يتحدى المنظومة القائمة، مع ثقتهم في الوقت ذاته بأن المنظومة ستحميهم من أسوأ العواقب المحتملة لانتخابه، وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن لا يجب التقليل من قدرات ترامب، فهو مشاكس معتد بنفسه، وليس إنساناً مطواعاً، فهو في الواقع، كما يرغب في أن يكون، مختلف عن الرؤساء السابقين من حيث الشخصية، وأسلوب العمل، وطرق التواصل، والأهم: في الأهداف السياسية، وهو ما يتفق عليه مؤيدوه، والخائفون منه، لكنه وصل إلى سدة الرئاسة بأدنى النسب، وفي جو من الانقسام، فقاطع حفل تنصيبه عدد من القادة، وخرج عشرات الألوف في مظاهرات ضده، رحب البعض، كسوق الأوراق المالية، بمحاولته لقلب الهرم السياسي، والثقافة السياسية في أمريكا، لكن المحاولة أرعبت آخرين!.
ستظهر حقيقة نوايا السيد ترامب في قلب الأوراق خلال الأسابيع والأشهر القادمة، أول الاستحقاقات في برنامجه المضطرب هو ما ورد على صفحة البيت الأبيض على الأنترنت: داخلياً سيكون البرنامج الأكبر هو مشاريع البنية التحتية، والتي كانت التفصيل الوحيد الذي ورد في خطاب القسم، أما خارجياً فمن الصعب التوقع: أكبر المخاوف هو احتمال اصطدامه مع الصين، أما تنفيذ سياسته مع روسيا فسيتوقف على تركيبة حكومته، قال ترامب اليوم: لقد انتهى زمن الكلام الفارغ، وحانت ساعة العمل.. الاحتمالات مرعبة حقاً، داخلياً وخارجياً.
سنمار الاخباري – البعث











Discussion about this post