لم يعد مفاجئاً رؤية من يتبنى أفكاراً شعبوية ومحافظة يصل إلى مراكز القرار حول العالم، وخصوصاً في أوروبا التي تعيش على وقع متناقضات كبيرة، تبدأ بالاقتصاد، ولا تنتهي بملف الهجرة.
فبعد فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، أحدث فرانسوا فيون مفاجأة “ترامبية” في فرنسا، بفوزه في الانتخابات التمهيدية لتياري اليمين والوسط لاختيار مرشح رسمي للتنافس على رئاسة الجمهورية بداية العام القادم، والمفاجأة ليست فقط في كون فيون مرشحاً يمينياً محافظاً وليبرالياً، وله لاءات كثيرة في الكثير من القضايا والمواضيع التي تهم الناخب اليميني الفرنسي، بل وأيضاً في استطلاعات الرأي التي خالفها وبقوة ضارباً عرض الحائط بها وبمنظميها أيضاً، فهو قبل الاستفتاء كان يحتل المركز الرابع بين المرشحين، وفي المرحلة الأولى من الانتخابات فاز بفارق كبير على منافسيه، لا بل أزاح الرئيس السابق نيكولا ساركوزي من طريق السباق، ودفعه إلى إعلان اعتزاله السياسي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاع إزاحة كل هؤلاء المنافسين من طريقه وفرض نفسه كمرشّح فوق العادة لليمين الفرنسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟، وهل ذلك عائد إلى الخطاب السياسي الذي تبناه في حملاته الانتخابية؟، أم بسبب فشل السياسيين الفرنسيين في السياسة الخارجية، وجعلها محط ابتزاز من بعض الإمارات والمشايخ الخليجية، أم هو التقليد والخروج عن المألوف كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية؟!.
أولاً: خلال الحملة الانتخابية الطويلة قام فرانسوا فيون بزيارة كل المدن الفرنسية دون استثناء، وحتى القرى والبلدات الريفية النائية، ما ترك انطباعاً خاصاً لدى الناخبين بمدى تبني هذا المرشّح لأفكارهم والوقوف إلى جانب قضاياهم، فجاء الفوز ليؤكّد الفوارق الكبيرة بين الأرياف والمدن، ومدى ابتعاد القيادات الفرنسية عن قواعدها الشعبية. بمعنى آخر استطاع فيون مخاطبة هذه الأغلبية الصامتة في اليمين، والتي رأت فيه “تاتشر فرنسا” الجديد، معلنة عن حقبة جديدة لليمين الفرنسي، عنوانها الـ “فيونية”.. متجاوزاً الساركوزية والديغولية.
ثانياً: لعبت قضايا الشرق الأوسط دوراً مهماً في حسم المنافسات، ففيون كان جريئاً في طروحاته حول المنطقة، فهو رحب بالتعاون مع الاتحاد الروسي وإيران في مكافحة الإرهاب وأعلن دعمه المباشر والعلني للجيش العربي السوري في حربه على الإرهاب، متجاوزاً الكثير من القيادات اليمينية، وفي مقدّمتها ساركوزي، الذي كان عراب الحرب على ليبيا والمتعطّش لشن الحرب على سورية.. أي أن فيون كان واقعياً في طروحاته ولم يجافِ الحقائق الموجودة على الأرض من حتمية الالتقاء مع الحكومة السورية في مسألة مكافحة الإرهاب، وعدم الجدوى من تسليح المجموعات المسلحة تحت عناوين “الاعتدال”، وهو يُحّمل السعودية وقطر مسؤولية نشر التطرّف في العالم، والأهم أيضاً الاعتراف بالقوى الجديدة في العالم، وعلى رأسها روسيا والصين، والدعوة للعمل معهما.
أخيراً، ربما أغرى فيون البعض بطروحاته السياسية، وخصوصاً فيما يتعلق بالمنطقة، وإعادة فرنسا إلى الساحة الدولية كلاعب رئيسي وفاعل يعيد لباريس بعض هيبتها البائدة، ولكن الأكيد أن مواقفه المحافظة هي التي دغدغت مشاعر وأهواء الناخبين اليمينيين ودفعتهم إلى التصويت له بقوة..
فهل يواصل فيون مسيرته في انتخابات اليمين المقررة الأحد المقبل ويحقق فوزاً كبيراً يؤسّس لمرحلة جديدة في فرنسا والعالم عنوانها الحكم لليمين والقوميات، وبالتالي يكمل مسار ترامب؟.
سنمار الاخباري
سنان حسن- جريدة البعث











Discussion about this post