يكاد "ملف" استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية يعرّي كامل السقوط الأخلاقي والمعنوي للسياسة الغربية تجاه سورية في المرحلة الراهنة على الأقل، ويكشف عمق التردّي الذي وصل إليه التيار الرئيسي السائد في الإعلام الغربي، ويفضح الأمم المتحدة كمنظمة متهالكة وآيلة للسقوط، فضلاً عمّا ينطوي عليه هذا الملف أيضاً من انكشاف في الوقت نفسه، حيث يشي بتخبّط المعسكر الغربي الداعم للحرب على سورية، ويلقي بعض الضوء على الآلية القائمة لتوزيع الأدوار بين مختلف عناصره، كما يشير إلى حقيقة أن هذه الحرب باتت تتمدّد اليوم على كامل مساحتها الدبلوماسية والأممية، خاصة وأن الجيوش الإرهابية المجنّدة للعمل في سورية تنكفئ إلى موقف دفاعي، بل تخضع لحصار شبه مطبق انتزع منها كل مبادرة، وتمكّن من تحييد قدراتها العملياتية والتكتيكية إلى مستوى إطلاق القذائف المستهدفة للمدنيين، عن بعد.
ولربما يفسّر ذلك ما نشهده اليوم من تصعيد دبلوماسي جنوني غير مسبوق في استمراره وتواصله في مختلف الهيئات والمنظمات الدولية المعنية، وفي أروقة مجلس الأمن على الأخص، ولربما يفسّر أيضاً ذلك الحضور غير المسبوق لبعض المنظمات المسمّاة غير حكومية في “بناء الملف”، ذلك أن متطلبات ملء الفراغ السياسي الذي تفرضه المرحلة الانتقالية في واشنطن تفترض تعبئة كل الطاقات الممكنة للحفاظ على نوع من تثبيت الوضع الميداني، كأن تتقدّم دولة تابعة وذيليّة، كفرنسا هولاند مثلاً، لممارسة فنون الاستعراض الأشد صراخاً بغية إشاعة وهم الحضور، وأن تتقدّم شخصيات الصف الثاني في الإدارة الأمريكية المرتحلة لإطلاق أشد التصريحات نارية بهدف الإيحاء بأن التطوّرات لا تزال تحت السيطرة، وأن الوضع ممسوك، وما على الزمر الإرهابية في حلب إلا أن تطمئن، أو أن تتماسك في الحد الأدنى على الأقل. ذلك أن الرهانات على إمكانية إعادة ترامب إلى “حالة الصواب والرشد” لا تزال قائمة على قدم وساق في مختلف المؤسسات الأوروبية الحاكمة، وأن حجم الاستثمار الذي وظفته مشيخات الرجعية النفطية في دعم هيلاري هو من الضخامة والهول بحيث لا يمكن القبول بأن يذهب هباء دون مقاومة أولية على الأقل، وأن الرعب الذي يستبد بالنخبة التقليدية الحاكمة من بقايا المحافظين الجدد في واشنطن لا يدع لها أي خيار سوى الاستمرار في الترويج للحرب على سورية وإلا.. فالموت السياسي وضياع التمويل!.
يتابع الملايين كل يوم الكيفية التي تتردّى من خلالها سمعة ومصداقية الأمم المتحدة إلى الحضيض، ويشهدون بالعين المجرّدة كيف يتهاوى ببطء ذلك السيل الجارف من الكذب المبرمج والتضليل المنهجي: اجتزاء من هنا، وشهادات زور من هناك، واستنتاجات ملتوية تعمّ سائر ما يفترض أنه تقارير دولية موثّقة. فيما تنحدر السياسة الغربية إلى درك الدفاع المعلن عن إرهابيين لا يخفون نواياهم باستهداف الغرب. حالة فصام لا يمكن تفسيرها إلا بالرغبة اليائسة في الالتفاف على واقع غير مرض، بمعنى الإيغال في التنكّر للحقائق على الأرض، فـ “ملف الكيماوي” الذي شكّل ذات يوم نوعاً من حصان طروادة مريح لإعلان الحرب على سورية، ومطيّة سهلة للسير في الخيار العسكري الأطلسي، يقبع اليوم في الزاوية الميتة للرغبة في الحفاظ على ما تبقى من إرهابيين منكسرين ومفلسين من “جبهة النصرة” تحديداً، ولا طريق إليه سوى ذلك الاستغراق المثير للسخرية والشفقة في غابة الأكاذيب والافتراءات والتضليل، ولا هدف له إلا شراء الوقت على أمل أخرق بتثبيت قدرات الجيش العربي السوري في حالة الانتظار، وإنهاك طاقة الدبلوماسية الروسية بمعارك جانبية، خاسرة سلفاً، في مجلس الأمن.
ترمي فرنسا بآخر أوراق رئيسها “الأضحوكة” والأقل شعبية بين كل مشروعي قرار في مجلس الأمن، ويصارع أيتام إدارة أوباما علّ الزلزال الترامبي لا يكنسهم كنفايات في طريقه، ولكن المسألة برّمتها معلّقة على مصير بضعة إرهابيين، بات مصيرهم بدوره معلّقاً على قرار من الجيش العربي السوري.
وسواء علا الصراخ على أشده في مجلس الأمن، أم انتهت جوقة الصراخ إلى أن ترضخ صاغرة أمام الحقائق على الأرض، فإن مواطنين سوريين هم من استشهدوا بالسلاح الكيماوي، وهم وحدهم الذين يرفض المجتمع الدولي – إياه – الاعتراف بشهادتهم، ويرفض تصنيفهم في عداد الضحايا، لا لسبب مفهوم إلا لكونهم ضحايا “النصرة” و”داعش” و”الزنكي”، ربيبة الإجرام الغربي. وفي هذه الحقيقة تكمن مبدئياً “طهارة” الموقف السوري، كما تكمن فيها أيضاً صلابة هذا الموقف، وقدرته على الاستمرار في الدفاع عن قضيته العادلة المستمدة من اليقين على الأرض.
سنمار الاخباري- صحف











Discussion about this post