من الساحل السوري على المتوسط، انطلق الفينيقيون ليسجلوا للحضارة مفاخر العبقرية، والإنجازات الحضارية عبر تاريخ البشرية المقروء، ولعل مدينة «عمريت» بالقرب من «طرطوس» على ساحل المتوسط الشرقي مثالاً حياً يحكي للعالم قصة هذا الإبداع الفينيقي.
الرحالة «بوكوك» متأثر بالأساطير الإغريقية وآلهتها المتعددة وقصة خلق ونشوء قارة أوروبا من أحضان المياه الفينيقية «الكنعانية» أراد زيارة سورية فكانت رحلته العام 1745 وسجل مشاهداته الأولى وبعده بحوالي مئة عام زارها الرحالة الأثري «آرنست رينان» العام 1860 وبدأ بأولى التحريات الأثرية عن مدينة عمريت التي ذكرت عند الرحالة المقدونيين الذين سجلوا لفتوحات الاسكندر المقدوني.
تقع عمريت جنوب طرطوس حوالي 7 كلم وتبعد عن البحر 700 متر، تحتضنها أمواجه التي تروي مع كل مد وجزر قصة لحضارة لا تنتهي، كما يمر في عمريت نهر «ماراتياس» وأصبح اسمه المُعرب «عمريت» وعمريت بالكنعانية معناها «العمارة والبناء» وعلى أطراف النهر منحدرات من الصخر الرملي نُحتت فيها أوابد غاية في الأهمية، ولعل أبرزها مدائن الساحل الكنعاني الفينيقي في بلاد الشام كلها.
ذُكر اسمها لأول مرة في وثائق فتوحات الاسكندر المقدوني باسم «ماراتوس» ووصفوها بأنها من أهم مدن الشرق آنذاك ومزدهرة بشكل يشابهه مدن الساحل الإغريقي على بحر إيجة.
بقي الاسكندر فيها لوقت يجهز جيوشه وسفنه لفتح «صور»، ثم بعد اكتشاف مدينة «أوغاريت» الكنعانية شمال مدينة اللاذقية وتمت قراءة وثائقها، وجد ذكر لمدينة عمريت باسم «أومرايت» الاسم الكنعاني القديم لها.
آثارها الحالية تمتد على مسافة 6 كلم تحيط بها مقابرها الشهيرة في العالم، وعمريت خضعت لسيطرة البحارة «الأرواديين» نسبة لجزيرة أرواد القريبة منها، والبحارة الأرواديون كنعانيون اشتهروا بعلوم الملاحة البحرية وأسسوا عدة مدن على الساحل السوري وكانت عمريت من مدنهم المهمة في القرن 203 ق.م ومع وقوع سورية تحت حكم الامبراطورية الرومانية وتحرر عمريت من سيطرة «أرواد» أهملت المدينة وفقدت دورها التجاري والاقتصادي وذابت في ظل الاحتلال الروماني.
يقول العالم الأثري «آرنست رينان» ان معظم حجارة أبنية عمريت «الهرقلية» الضخمة، نُقلت إلى مدينة طرطوس وقراها المجاورة واستخدمت للبناء وقد شاهد بنفسه عدداً كبيراً منها في أسوار وأبنية طرطوس القديمة.
من يزور عمريت حالياً يرى بعض آثارها المهمة مثل: التل والمعبد والملعب والنصب التذكاري والمدافن النادرة من تلك الفترة من حضارتها.
سنمار الاخباري











Discussion about this post