محمد إسماعيل حديد
في بداية الأزمة في سورية، شنت وسائل الإعلام الغربية والموالية لها، حملات تضليل وتحريض ضد الدولة السورية، لم تشهد دولة على الأرض مثيلاً لها. وعلى الأثر نشط من أطلقوا على أنفسهم اسم «الدعاة»، لتأجيج سعار ما سمي «الجهاد في بلاد الشام»، وشرعوا بتنظيم وتوسيع حملات تجنيد الشباب في القارة الأوروبية والأمريكية، بعدما زيَّنوا لهم سوء أعمالهم، وأطلقوا عليهم تسمية «جهاديين». وانهالت الأموال السعودية والقطرية على تلك الساحات، لتغطية نفقات سفر آلاف الإرهابيين بالطائرات إلى تركيا، لإدخالهم بعد ذلك إلى الشمال السوري، وتلقي التدريب ثم التسليح والالتحاق بمواقع تنظيمي «داعش» أو «جبهة النصرة» أو أي من أخواتهما.
لقد كانت أعمال التحريض والتجنيد والتمويل والتسفير تتم بعلم ومباركة حكومات أولئك المرتزقة الأجانب، وفي أحسن الحالات يمكن القول إنها تمت بتعام متعمد أو تجاهل مقصود من الدوائر المختصة، حيث لا ترى تلك الحكومات والدوائر غضاضة في توجه آلاف الإرهابيين من مواطنيها إلى سورية لارتكاب الجرائم بحق شعبها، لأن سورية هي العدو الأول للكيان الصهيوني، وهي القلعة الصامدة، وحاملة الهم العربي، من مشرق الوطن الكبير إلى مغربه. لذا ارتأى الغرب و«إسرائيل» وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، ضرورة الانتقام من هذه الدولة المتمسكة بثوابتها، المدافعة بقوة عن قرارها الوطني المستقل، الرافضة للاعتراف والتطبيع مع العدو الصهيوني، فسمحت الحكومات الأوروبية بتدفق تلك الأعداد الكبيرة من الإرهابيين المتجهين لسورية..jpg)
وفي دراسة إحصائية قام بها مركز الدراسات الألماني «فيريل» الذي تابع تحركات الإرهابيين الوافدين لسورية، أشار إلى أن مجموع الإرهابيين الأجانب من كل الجنسيات الذين قاتلوا ضد سورية، منذ نيسان 2011 حتى نهاية 2015 بلغ 360 ألف إرهابي أجنبي، توافدوا بالتناوب (على دفعات)، وهم ينتمون لـ 93 جنسية، شملت القارات الخمس. وكان لتركيا والسعودية النصيب الأكبر من تعداد الإرهابيين، فقد بلغ عدد الإرهابيين الأتراك 25800 إرهابي، بينما أرسل نظام بني سعود لسورية 24 ألف إرهابي. وذكرت الدراسة أن أكبر تجمع للإرهابيين الأجانب في التاريخ حصل في سورية. وقدرت أعداد الإرهابيين الأوروبيين الذين يحملون الجنسيات الأوروبية والأمريكية بـ 21500 إرهابي. وفقاً للدراسة وبسبب هزائمهم المتلاحقة، ومشاعر الإحباط التي نجمت عنها، عاد منهم إلى مواطنهم 8500 إرهابي.
بحسب التقديرات التي أطلقتها وسائل الإعلام المعادية. المستندة لتحليلات غربية، توهمت أن «إسقاط» الدولة السورية «لا يتطلب أكثر من شهرين إلى ثلاثة»، وبالتالي فإن إقامة هؤلاء الإرهابيين في سورية لن تطول أكثر من ذلك. لكنها امتدت لقرابة الست سنوات، تحطّمت خلالها آمال الواهمين على صخرة الصمود الملحمي للجيش والشعب والقيادة في سورية، وتكبد الإرهابيون خسائر جسيمة على كل الاتجاهات والمحاور. وساد بين الإرهابيين الأجانب شعور الإحباط واليأس من إمكانية نجاحهم في إنجاز ماأوكله إليهم مشغلوهم، وهذا ما عزز لدى الكثيرين منهم الرغبة في العودة إلى بلدانهم التي قدموا منها، مفضلين «الجهاد» في أماكن يعرفونها ضمن أوروبا، على القتال في أماكن بعيدة، يجهلونها ولا تروق لهم.
والحقيقة التي أدركها الجميع. أن العام 2016 كان سيئ الطالع على تنظيم «داعش» الإرهابي، سواء في سورية أو العراق. فقد خسر في هذا العام مساحات واسعة من الأرض التي سيطر عليها في وقت سابق، وما زال يتكبد المزيد من الخسائر في العتاد والأرواح، مع استمرار التقهقر والتراجع على الأرض، تحت ضربات أبطال الجيشين السوري والعراقي.
وقد فاقم خسائر الإرهابيين في سورية، سيطرة الجيش العربي السوري على طرق إمدادهم الرئيسة، القادمة من القواعد الخلفية في تركيا، والتي كانت تشكل شرياناً حيوياً لدفق السلاح والإرهابيين، القادمين من الدول الأجنبية.
وبسبب التراجع القسري على الأرض، وفداحة الخسائر التي تكبدها تنظيم «داعش» الإرهابي في الأرواح والمعدات، وبسبب انعدام القدرة على التعويض عن طريق محاور الإمداد التقليدية، تَشكل الموقف الميداني المعقد الذي أصبح يعانيه الإرهابيون، والذي غدا ينبئ بهزيمة نكراء على شتى الجبهات والمحاور.
أشارت مجلة «فورين أفيرس» foreign affairs الأمريكية في الشهر الماضي، إلى أن تنظيم «داعش» الإرهابي كلما تقلصت الأراضي التي يسيطر عليها، وفقد العديد من متزعميه الميدانيين، تطلّع إلى إرهابييه الموجودين على الساحة الأوروبية (الخلايا النائمة هناك) الذين يتم تحريكهم من الخارج في الوقت المناسب. وذكرت المجلة أن التنظيم الإرهابي قد خطط ونفذ منذ مطلع 2015 عمليات كبرى ضد أهداف تقع في القارة الأوروبية. وبمرور الزمن بات واضحاً- بحسب المجلة- أن إستراتيجية «داعش» فيما يخص العمليات الخاصة في الدول الأوروبية تتم وفق مخطط دقيق ومدروس.
على صعيد متصل ذكرت صحيفة «تايمز» البريطانية أن حمزة بن لادن نجل أسامة بن لادن مؤسس ومتزعم تنظيم «القاعدة»، قد ازداد نفوذه داخل التنظيم بشكل لافت، يؤكد هذا نشر العديد من التسجيلات بصوت حمزة على الإنترنت خلال الأشهر المنصرمة. وتجدر الإشارة إلى أن حمزة بن لادن يتبنى نهج أبيه، وهو يتوعد الدول الأوروبية بمزيد من العمليات الإرهابية الكبرى.
وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية بحسب «التايمز» البريطانية، أنها تملك معلومات موثوقاً بها، تشير إلى أن تنظيمي القاعدة و«داعش» الإرهابيين وغيرهما من التنظيمات الأخرى، يخطط كل واحد منهما لشن اعتداءات في الدول الأوروبية. مضيفة إن ذلك مرهون بعودة الإرهابيين إلى دولهم الأوروبية، بعدما اكتسبوا خبرات عملية في الإرهاب من ميادين القتال في سورية والعراق. لذا بات الغرب يتوجس ويتحسب لهذه العودة المشؤومة التي ستجلب معها المزيد من الويلات والأعمال الإرهابية.
والأمر الذي يشكل عقدة أمنية كبرى للدول الأوروبية، هو تجنيد الإرهابيين ضمن بلدانهم، ليس من أجل الذهاب للشرق الأوسط، بل من أجل أن يكونوا «ذئاباً منفردة». وهذه التسمية أطلقتها الحكومات الأوروبية على الإرهابيين المتطرفين الموجودين على الساحة الأوروبية، علماً بأن هؤلاء الإرهابيين القتلة حين كانوا يتوجهون لسورية والعراق كانت الحكومات والأجهزة ذاتها تسميهم «الجهاديين».
وتذكر مجلة «فورين أفيرس» الأمريكية أن عملية تجنيد «الذئاب المنفردة» في الدول الأوروبية أصبحت إستراتيجية معتمدة في تنظيم «داعش» على مستوى العالم، لأنها أسهل وأسرع وأرخص وأكثر أمناً من استدعاء الإرهابيين من سورية لأوروبا أو غيرها من الدول. حتى إن أحد أخطر مخططي «داعش» وهو إرهابي فرنسي /29 عاماً/ يدعى رشيد قاسم، طلب عبر تسجيل صوتي على الإنترنت من أتباع التنظيم في أوروبا البقاء في بلدانهم، لأن ثمة أدواراً مهمة تنتظرهم هناك. وقد ظهر قاسم في شريط فيديو دعائي متوجهاً لأنصاره بالقول: «مزقوا تذاكر سفركم لتركيا.. فالجنة تحت أقدامكم».
وفي بريطانيا نشرت صحيفة «الإندبندنت» تقريراً أعدّه كيم سينغوبتا حول المخاطر المتوقعة التي ستنجم عن عودة الإرهابيين الأجانب في صفوف «داعش» إلى بلادهم، فقال الكاتب: إن السلطات الأمنية البريطانية تهيئ نفسها لعودة أعداد كبيرة من البريطانيين في الوقت الذي يخسر فيه التنظيم الإرهابي مناطق سيطرته في سورية والعراق. وأشار التقرير إلى أن مسؤولي الأمن والمخابرات يعدون الدراسات والخطط المناسبة للتعامل مع آلاف «الجهاديين» الغربيين ممن سيحاولون العودة لأوروبا. وتذكر الصحيفة أن المتطرفين الذين تلقوا التدريب، واعتنقوا ايديولوجيا الإرهاب والتطرف، سيمثلون بلا شك تهديداً في المستقبل القريب أو سيكونون بمنزلة «قنبلة موقوتة» حسبما يقوله المسؤولون الأمنيون، الذين يدعون لسياسة شاملة لمواجهة الأزمة المنتظرة.
لقد ساهمت الدول الغربية في تنمية وإنعاش الإرهاب في بلادنا، وأطلقت عليه أجمل التسميات حين اعتبرته «جهاداً»، رغم أن للجهاد مفاهيم مختلفة أكثر نقاءً وعمقاً وقدسية، لكن هذا الجهاد المزعوم حين انقلب على صانعيه وداعميه، اعترفوا أنه إرهاب موصوف، وأطلقوا على القائمين به اسم «الذئاب المنفردة».
لقد وقعت في العام الماضي وهذا العام أعمال إرهابية في كل من فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة، راح ضحيتها العديد من القتلى والجرحى، وأخطرها عملية باريس في تشرين الثاني 2015 التي أودت بحياة 130 شخصاً، وهجمات بروكسل في آذار 2016 التي راح ضحيتها 30 شخصاً، والهجوم على نادٍ ليلي للمثليين في أورلاندو بفلوريدا ما أسفر عن مصرع 50 شخصاً وجرح 53 آخرين، فيما اعتبر أسوأ حادث إطلاق نار في تاريخ الولايات المتحدة، وأسوأ عمل إرهابي بعد أحداث 11 أيلول، وعملية دهس متعمد نفذها سائق شاحنة استهدفت حشداً من الناس المحتفلين بـ «يوم الباستيل» في تموز الماضي بمدينة نيس جنوب فرنسا، ما أسفر عن مقتل 86 شخصاً.
إن هذه الأعمال الإرهابية برمتها مدانة بكل المقاييس ومرفوضة بكل المعايير، لكن السؤال الملح الذي يجب أن يجد جواباً عنه، لماذا الإرهاب في دول الغرب مدان ومستنكر ومستنكر على أعلى مستوى في العالم، بينما الإرهاب في بلادنا العربية ولاسيما في سورية والعراق، «مسموح!» من وجهة نظرهم رغم استمراره عدة سنوات، ورغم تنفيذ الإرهابيين أبشع أعمال الذبح والحرق والإغراق، عدا عن مئات المجازر، ومع ذلك لا تلقى هذه الجرائم شجباً أو إدانة أو استنكاراً من أحد، بل على العكس فإن الدول ذاتها التي تعرضت للإرهاب وذاقت مرارته وعاشت لحظاته المرعبة، هي التي تدعمه وتغذيه، وتجمل صورته في بلادنا!.











Discussion about this post