في السابع والعشرين من أيلول قبل 194 عاما أي في العام 1822بدأ الغرب يسرد قصة اعتمدت على نطاق عالمي وهي ان عالم المصريات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون استطاع فك رموز اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة بعد دراسته لحجر رشيد.
وتناسى الغرب عمدا الاشارة الى العالم العربي أبو بكر أحمد بن علي بن وحشية النبطي الذي سبق شامبليون بأكثر من الف عام وقدم شرحا وتصنيفا لأكثر من 80 أبجدية قديمة ومعاصرة انذاك في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان /646-705/ ميلادي .
ويورد هذا السرد ان الضابط الفرنسي بيير ـ فرانسوا بوشار عثر على «حجر رشيد» الثمين، الشهير؛ في إحدى قلاع مدينة رشيد، سنة 1799 أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وفي سنة 1822 تمكن الباحث الفرنسي في اللغات القديمة جان ـ فرانسوا شامبليون من فكّ شيفرة الحجر، بعد تنافس فرنسي ـ بريطاني محموم على الاستئثار بالقطعة الأركيولوجية النفيسة.
وكان البريطانيون قد هزموا الفرنسيين في مصر سنة 1801، نصرا ساحقا تضمن أيضاً اضطرار المنهزم إلى تسليم جميع ما في حوزته من كنوز الآثار المصرية المنهوبة إلى المنتصر. وهكذا لم يتشرّف متحف اللوفر الفرنسي باحتضان الحجر الصغير الفريد، الذي يضمّ نصوصاً باللغات المصرية الهيروغليفية و الديموطيقية واليونانية القديمة فذهبت الحظوة إلى المتحف البريطاني، حيث ترقد اليوم تلك التحفة التاريخية واللغوية، الفرنسيون ثأروا لأنفسهم، مع ذلك، حين احتكر شامبليون شرف فكّ وتصنيف محتويات الحجر قبل البريطاني توماس يونغ؛ وذلك حين أسقط من حسابه كليّاً الفكرة الغربية الشائعة عن الهيروغليفية بوصفها مجموعة رموز عن الأفكار والأشياء. إنها أبجدية صوتية، افترض شامبليون، واتكأ على هذا الافتراض لتحقيق إنجاز تاريخي ما يزال الغرب يفاخر به منذئذ.
ما لا تقوله السردية الغربية المكرسة، في المقابل، هو أنّ قصب السبق في فكّ شيفرات تلك اللغات القديمة يعود إلى عالِم يدعى أبو بكر أحمد بن علي بن وحشية النبطي؛ كان، خلال أطوار الازدهار في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، قد وضع كتاباً بعنوان «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»، احتوى على شرح وتصنيف لأكثر من 80 أبجدية قديمة ومعاصرة؛ بينها أبجديات السريان والهرامسة والفراعنة والكنعانيين والكلدانيين والنبط والأكراد و الكسدانيين والفرس والقبط، فضلاً عن الكوفي السوري، والمغربي الأندلسي، والهندي…
وفي سنة 1806، صدرت في لندن الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب، وأنجزها المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر ـ بورغشتال؛ الذي أشار في المقدّمة إلى أنّ المخطوطة «سَلِمت» من أيدي «علماء» الحملة الفرنسية، رغم نجاحهم في الاستيلاء على الكثير من مخطوطات البلد الأصلية، ولأنّ الترجمة هذه كانت قد صدرت قبل 16 سنة من نجاح شامبليون في قراءة حجر رشيد، فإنّ من المستغرب ألا يكون الباحث الفرنسي قد اطلع عليها؛ بل لعلّ الإنصاف يقتضي التشديد على أنّ مقاربة ابن وحشية (في اعتبار الحروف جزءاً من أبجدية صوتية، وليست مجرّد رموز تصويرية) قد تكون وراء النقلة الحاسمة التي جعلت شامبليون يتخلى نهائياً عن الفرضيات الغربية الراسخة آنذاك، هكذا يقول المنطق البسيط، حتى إذا كنّا لا نملك دليلاً يثبت أنّ الفرنسي قد قرأ بالفعل كتاب العالِم المسلم، لكنّ مناقشة افتراض مثل هذا تعني، في جانب آخر، إحقاق حقّ ابن وحشية، في بعض المجد التليد الذي ينعم به شامبليون اليوم.
وللتوقف عند المزيد من هذا الحقّ، يُشار إلى أنّ ابن وحشية كتب في الفلسفة والزراعة والكيمياء، ووضع مجموعة من المؤلفات في السحر والطلسمات، منها «كتاب طرد الشياطين» و«كتاب السحر الكبير» و«كتاب السحر الصغير». وللرجل، في العلوم، كتاب فريد اسمه «الفلاحة النبطية» يُعدّ من أشهر المؤلفات الزراعية القديمة، وثمة مَن يردّ بعض فصوله إلى نصوص بابلية قديمة. ومن المدهش أنه، في فصل خاصّ بالعقائد الوثنية، يقيم صلة مادية مباشرة بين الزراعة وعبادة النجوم، ولا يتوقف عند القواعد الزراعية الصرفة بل يغوص عميقاً في ما يتناظر مع الزراعة من عقائد وخرافات وعبادات وتقاليد عتيقة، سادت في صفوف الأنباط أوّلاً ثمّ انتقلت إلى جيرانهم.
مناسبة هذه الوقفة، عند حجر رشيد وابن وحشية، هي أنّ المؤلفات الكثيرة حول أبحاث المصريات عموماً، واللغات والأبجديات القديمة تحديداً؛ التي تواصل الصدور ـ باستمرار، في كلّ شهر وعام، وأحدثها طبعة إلكترونية من كتاب واليس بدج الكلاسيكي «حجر رشيد»، 1893 ـ إنما تتابع اجترار السردية الغربية ذاتها، التي لا تغمط حقوق أمثال ابن وحشية (وقبله جابر بن حيان، في عمله الرائد «حلّ الرموز ومفاتيح الكنوز» ، فحسب؛ بل تمارس، في العلوم، سياسة النهب ذاتها التي اعتمدتها القوى الاستعمارية بصدد ثروات الشعوب الاقتصادية.
وحجر رشيد هو نصب من حجر الجرانودايوريت مع مرسوم صدر في ممفيس، مصر ، في العام 196 قبل الميلاد نيابة عن الملك بطليموس الخامس. يظهر المرسوم في ثلاثة نصوص: النص العلوي هو اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية المصرية، والجزء الأوسط نص الديموطيقية ، والجزء الأدنى اليونانية القديمة. لأنه يقدم أساسا نفس النص في جميع النصوص الثلاثة (مع بعض الاختلافات الطفيفة بينهم)، الحجر يعطى مفتاح الفهم الحديث للهيروغليفية المصرية.
ويعتقد أن الحجر قد تم عرضه أصلا ضمن معبد مصري، وربما كان قد نقل خلال المسيحيين الأوائل فى العصور الوسطى، وكان يستخدم في نهاية المطاف كمادة بناء في بناء طابية رشيد بالقرب من مدينة رشيد في دلتا النيل. حيث تم اكتشافه هناك في عام 1799 على يد جندي يدعى بيير فرانسوا بوشار من حملة نابليون على مصر.
وهذا الحجر مرسوم ملكي صدر في مدينة منف عام 196 ق.م. وقد أصدره الكهان تخليدا لذكرى بطليموس الخامس، وعليه ثلاث لغات الهيروغليفية والديموطقية (القبطية ويقصد بها اللغة الحديثة لقدماء المصريين) والإغريقية، وكان وقت اكتشافه لغزا لغويا لايفسر منذ مئات السنين، لأن اللغات الثلاثة كانت وقتها من اللغات الميتة، وهذا يدل على أن هذه اللغات كانت سائدة إبان حكم البطالمة لمصر لأكثر من 150 عاما، وكانت الهيروغليفية اللغة الدينية المقدسة متداولة في المعابد، واللغة الديموطيقية كانت لغة الكتابة الشعبية (العامية المصرية)، واليونانية القديمة كانت لغة الحكام الإغريق، وكان قد ترجم إلى اللغة اليونانية لكي يفهموه. وكان محتوى الكتابة تمجيدا لفرعون مصر وإنجازاته الطيبة للكهنة وشعب مصر، وقد كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من كبار المصريين والطبقة الحاكمة.
وفي نهاية هذا المقال لابد من ذكر قرص " فايستوس " والذي يمكن أن يوصف بحق بأنه الخط الوحيد الذي لم تفك رموزه حتى الان وهو ما اثار حفيظة علماء الكلاسيكيات ويقول " إيميت بينيت " عالم الكتابة الخطية الأولى والثانية ، في إحدى تعليقاته إن أي غلاف كتاب تزينه صورة قرص فايستوس – وما أكثرها – يمثل بالنسبة له مرادف الجمجمة والعظام المتقاطعة على زجاجة السم " وقرص فايستوس اكتشف للمرة الأولى في كريت عام 1908 ويعتقد أنه أول وثيقة مطبوعة في العالم ، ويرجع تاريخه إلى الفترة ما بين ( 1850 – 1600 ) ق.م ، وقد تصدي القرص لعشرات المحاولات البارعة لإحداث اختراق لرموزه ومعرفة كنهها. ويبلغ قطره نحو 16 سم ( 6,5 بوصة ) وسمكه نحو 1,9 سم (0.75 بوصة )، ويبلغ عدد الرموز المدونة عليه 242 رمزاً في مجملها ( أحدها ممسوح ) وهي إما مطبوعة بختم أو مطبوعة من خلال كشط الطين من حول الرموز وذلك على وجهي القرص ، وقد رتبت هذه الرموز في 61 مجموعة مقسمة إلى أقسام تميز بينها خطوط ويبدو أن الرموز كانت تكتب من الحافة الخارجية بطريقة حلزونية للداخل في إتجاه عقارب الساعة، ولكن لم يعثر على نماذج أخرى من تلك الكتابة واللغة المسجلة عليه، وهذا بافتراض أن هذا القرص ليس مزوراً أو منتحلاً لغة غير معروفة على الإطلاق رغم المزاعم الكثيرة عكس ذلك.
سنمار الاخباري- عماد الدغلي










Discussion about this post