أميركا: بين «الفاسدة» و«المجنون» مناظرة الـ100 مليون!

قبل ستة أسابيع من وصول هيلاري كلينتون، المرشحة الديموقراطية الأقرب إلى المحافظين الجدد، او دونالد ترامب، الجمهوري المكروه من الجمهوريين، إلى البيت الأبيض، ينطلقُ اليوم قطار المناظرات بينهما، بمناظرة اولى في جامعة «هوفسترا» في نيويورك، يتوقع أن يشاهدها 100 مليون أميركي، متخطية بذلك المناظرة الرئاسية الأكثر مشاهدة في التاريخ الأميركي، بين رونالد ريغان وجيمي كارتر في العام 1980، حين أثارت خلفية الأول «الهوليوودية» فضول الأميركيين.

 

ولا يعود السبب في نسبة المشاهدة القياسية المتوقعة إلى حماوة الملفات التي سيناقشها المرشحان، بل لان ترامب سيكون نجمُها الأول والأخير، من دون منازع. ولعل هذا هو السبب الذي دفع الرئيس المغادر، باراك اوباما، لنصيحة «ابنة جلده»، لتحتفظ بطبيعتها وتلقائيتها، لكسب هذه الجولة الحاسمة من المعركة. لكن «طبيعة» كلينتون، التي كانت ظهرت قبل فترة قصيرة، وهي تترنح من شدة الإعياء لدى مغادرتها على عجل حفلاً تكريمياً لضحايا 11 أيلول، ستكون أكثر السهام سماً التي سيحاول منافسها إطلاقها عليها، ولعله ربما قد يستفيد من آخر تقارير الاستخبارات المحلية التي أكدت أن وزيرة الخارجية السابقة قد نسيت تقريراً سرياً للغاية في غرفة فندقها خلال زيارة لها إلى موسكو أثناء قيادتها الديبلوماسية الأميركية في الولاية الأولى من عهد اوباما.

وتتوقع معظم التقديرات ان يركز الملياردير الأميركي على وضع كلينتون الصحي، بالإضافة إلى سجلها على رأس الديبلوماسية الاميركية، في ليبيا وغيرها، معرجاً على فضيحة بريدها الإلكتروني، من دون ان يغفل التطرق إلى تأييدها لغزو العراق، أو أن يغض الطرف عن مآسيها «العائلية»، بعدما لمح وفريقه إلى امكانية حضور إحدى عشيقات زوجها السابقات، المناظرة بـ «بطاقة من الممكن أن تحصل عليها من أي كان».

ووعد ترامب، جمهورَه «الجمهوري» الذي نصَحَه فريقُهُ بأن يتكلم باسمه، بأن يكون جدياً، وأن يتجنب الكلمات البذيئة في وصفه لمنافسته، لكن استطلاعاً وزّعه على مؤيديه، يسألهم فيه ما إذا كانوا يحبذون ان ينادي كلينتون خلال المناظرة بـ «الفاسدة»، يشي بمدى حدة الألفاظ التي سيطلقها اليوم، والتي قد تحول المشهد إلى حدث صاخب سيعيد أمجاد التلفزيون في عصر الإنترنت، بحسب توصيف الإعلام الأميركي، وتتخطى حماسة مشاهدته تلك التي ترافق مباريات «السوبر بول» (كرة القدم الأميركية).

وفي تقرير كتبه لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، يقرُّ ديفيد أكزلرود، أحد أبرز الخبراء الاستراتيجيين الذي رافقوا اوباما عندما كان سيناتوراً، ان كلينتون كانت الحلقة الاصعب خلال مناظرات الرئيس السابقة التي رافقت الانتخابات التمهيدية التي اوصلته للولاية الأولى في البيت الابيض، واصفاً إياها بأنها «كانت تبدو رئيسة للجمهورية آنذاك». رغم ذلك، يعترف هذا المنظر الديموقراطي، بأن غريمها هذه المرة، «من طينة أخرى»، إذ إن من أبرز تكتيكاته وأنجحها أن يدخل في جلباب منافسيه، ليكتشف نقاط ضعفهم، وأن يخلق لهم «صفات مؤذية ويجعلها لصيقة بهم»، ناصحاً كلينتون بأنه سيكون عليها «أن تدرك متى تهاجم، ومتى تدافع عن نفسها، ومتى تأتيه من فوق».

وتعول كلينتون على نسبة المشاهدة العالية لرفع أسهمها، إذ يشير مكتبها إلى اعتقاده بان 60 مليون مشاهد سيبدون حماستهم للانتخابات للمرة الاولى، وهي تعول على المناظرة لرفع الفارق بينها وبين منافسها، بعدما اعادت الاستطلاعات الأخيرة تصفير المعركة، في ظل تقارب مخيف لنسب التأييد. رغم ذلك، تشير آخر الاستطلاعات أيضاً إلى أن 8 في المئة من الناخبين لم يحسموا امرهم بعد لجهة التصويت، وهي نسبة مهمة قد تشكل بيضة القبان في انتخابات الثامن من تشرين الثاني المقبل.

وبحسب آخر نصيحة للديموقراطيين لمرشحتهم، فقد يكون «إعطاء الحبل» لترامب، بحسب ما نقل عنهم موقع «بوليتيكو» هو الحل الافضل، عبر تمكينه من الإسترسال في الكلام من دون تمكنه من الاستعانة بـ «الملقن التلفزيوني» teleprompter الذي شكل له مراراً حبل النجاة. ويعتقد الديموقراطيون انه كلما تمادى ترامب أكثر في الأخطاء، كاستعادته للجدل حول مكان ولادة اوباما مثلاً، كلما صبّ ذلك في مصلحة منافسته «التي عليها أن تتوجه للكاميرا وللأميركيين عندما تتكلم، وليس إلى المرشح الجمهوري نفسه».

وخضعت نفسية المرشح الى تحليل مفصل لرصد ما يسبب زلاتِهِ، فالمعسكر الديموقراطي يسعى الى اثارة حفيظته لإثبات ان مزاجيته لا تليق بمنصب الرئاسة. لذا في حال رد بالهجوم على منافسته فقد يخسر اصوات النساء اللواتي يشكلن 53 في المئة من الناخبين ويبدين اصلا ترددا بشأنه. كذلك من البديهي ان اي هفوة سيتم بثها بشكل متواصل على شاشات التلفزيونات.

لن تكون الـ90 دقيقة حاسمة اليوم في معركة الرئاسة الاميركية. بين المتنافسين خط طويل يمتد حتى حدود آخر المستعمرات في الضفة الغربية المحتلة. هناك يقال إن من يحشد لترامب أكثر حماسة بكثير من المواطنين الأميركيين المقيمين في الولايات المتحدة. خط ترامب، الذي أعلن امس أنه سيؤيد القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل اذا ما انتخب، بدأ جدياً يلعب على وتر الأقليات الدينية والعرقية في اميركا، محاولاً استمالة السود والنساء من جديد، خاصة بعد اسبوع من التوتر العرقي على خلفية مقتل مواطن أسود على يد الشرطة «البيضاء» اما خط كلينتون، التي تعتبر ان منطقة «الصدأ الأميركية» هي نقطة الفصل في المعركة، فيركز كثيراً على جاليات عرفت قيمتها منذ أن هبط سعر «البيزو» المكسيكي بمجرد أن وطأت قدما منافسها أرض المكسيك.

حشد اللوبيات سيكون الأقوى في معركة الرئاسة الأميركية، بين متنافسين يعتبران الأقل شعبية على مستوى التاريخ الأميركي. لكن المناظرات الثلاث، اللعبة الأكثر انتظاراً على المستوى المحلي الشعبي الأميركي، لن تكون خاليةً من المفاجآت… بين كلينتون «الفاسدة» وترامب «المجنون».

(«السفير»)

 

Related Posts

Next Post

Discussion about this post

آخر ما نشرنا