قد يكون الجانب الأمريكي، فوجئ أمس بإعلان القيادة العامة للجيش والقوات المسلّحة السورية عن "إنهاء" مدّة الهدنة التي توصلت إليها واشنطن وموسكو في 12 من الشهر الجاري، بعد أن كان يتوقع أن تعلّق روسيا على الهدنة "المفترضة" ونتائجها التي كانت ليست بالمستوى الذي تطلّع إليه الجانبين السوري والروسي، والتي "أي الهدنة" أظهرت بدورها المأزق الذي وضعت فيه واشنطن نفسها، خاصة وأن الجيش السوري التزم بحرفيّة بنود الاتفاق، واعتمد مبدأ ضبط النفس طيلة الأيام السبعة الماضية بالرغم من تزايد الخروقات الإرهابية ومحاولات الاستفزاز التي عملت جاهدة لجر الجيش إلى معارك تُنهي "الجدل الأمريكي – الأمريكي" حول هذه الهدنة، حتى قرر "البنتاغون" التدخل مباشرةً وإنهاء سريان وقف إطلاق النار بسلوك "غبي" زاد من التورط الأمريكي في سورية، بعد أن أغارت طائراته على مواقع الجيش السوري في جبل الثردة في مدينة دير الزور، تمهيداً لاقتحام تنظيم داعش للجبل الاستراتيجي والسيطرة عليه، وإسقاط "مطار دير الزور" العسكري نارياً، ﻹحراج الجانب السوري الذي امتص مع حليفه الروسي "الغباء الأمريكي" واكتفى برد محدود نتج عنه إعادة السيطرة على الجبل الاستراتيجي وتحويله لاحقاً إلى "مقتل" لعناصر داعش التي وبحسب مصادر إعلامية تابعة للتنظيم، فقد خسر داعش منذ بداية الهجوم على الجبل ومحاولة "التثبيت" على سفوحه وحتى اليوم، أكثر من 143 قتيلاً بنيران الجيش السوري وصواريخ سلاح جوّه الذي سارع إلى "تسوية أوصاع" المهاجمين عقب الغارات الامريكية.
.jpg)
من المنطقي القول أن الغارات الأمريكية لم تكن فقط ﻹنهاء الهدنة مع الجانب الروسي، لكن أيضاً من المنطقي أكثر القول أن "الخطيئة" الأمريكية في دير الزور أبرزت الشقاق أكثر بين البيت اﻷبيض الذي توصّل للهدنة، والمؤسسة العسكرية الرافض قطعاً لوقف إطلاق النار في سورية، والساعي أصلاً ﻹحراج الجانب الروسي أكثر في الميدان السوري، إلا أنه فوجئ هذه المرّة بأن سورية فعلياً ليست "أفغانستان"، وأن التصرف الروسي اليوم في سورية ليس مبنياً على ردود أفعال تُحاكي ما حصل سابقاً في أفغانستان والتي تحوّلت بفعل الخُبث الأمريكي لمستنقع كان يراد منه إغراق روسيا قبل انسحابها من الميدان الأفغاني. في سورية الوضع مختلف تماماً، فالجانب الروسي يعتمد بشكل كبير على "بنك المعلومات" الذي بحوزت الاستخبارات السورية، والتي فشلت الولايات المتحدة عشرات المرات في الاستحصال على جزءاً منه عبر مندوبيها الأوروبيين الذي حلّوا ضيوفاً في المكاتب الأمنية السورية أو حتى في لقاءاتهم السرية مع القيادات السورية العسكرية والأمنية منها، أو السياسية. لذا رأت واشنطن نفسها هي من تغرق في المستنقع السوري وليس الجانب الروسي، حيث أظهرت "الهدنة" المتتهية صلاحيتها أن واشنطن استُجرّت إلى طاولة مفاوضات "علنية" وهو مالم تعتاد عليه سابقاً، وقّعت خلالها على اتفاق أبرز مدى "قرفها" من حلفائها الأتراك أو الخليجيين، قبل أن يستفيق "البنتاغون" الذي أصر على عدم كشف تفاصيل الاتفاق، وعندما ألمح بوتين قبل الغارة الأمريكية على مدينة دير الزور بيوم واحد فقط على ميل موسكو لكشف البنود "المخفية"، سارعت الطائرات الأمريكية لترتكب "الخطيئة" اﻷكبر في تاريخها، وتضرب مواقعاً للجيش السوري عجز تنظيم داعش منذ دخوله إلى دير الزور عن تحقيق أي خرق في خطوطها، ليُستشهد عشرات الجنود السوريين ومثلهم جرحى، نتيجة لهذه الورطة الأمريكية ..
العرقلة الأمريكية لإنهاء الأزمة لم تتوقف حقيقةً على "إنهاء الاتفاق" مع الجانب الروسي، بل ظهر جليّاً في "دفش" اﻷمم التحدة لعرقلة استكمال "اتفاق حي الوعر" في حمص، والذي يقضي بإخراج كل المسلحين مع عوائلهم إلى شمال سورية تمهيداً ﻹفراغ حمص من التواجد المسلّح، عندما رفضت الأمم المتحدة المشاركة بما أسمته "التهجير القسري"، لكنها تناست أنها شاركت أو سعت في وقت سابق لـ"تهجير" مسلّحي الزبداني على حساب "أبناء بلدتي الفوعة وكفريا"، وساهمت في "تهجير" مسلّحي داريا ولو بصورة غير مباشرة، كما سعت في المعضمية وغيرها من الأخياء السورية التي توصّلت فيها الدولة السورية لاتفاق مع الميليشيات الإرهابية ﻹخلائها، وكانت اﻷمم المتحدة هي من "تتعهّد" بإيصالهم إلى إدلب أو أي منطقة يختاروها، لماذا اتفاقية "الوعر" إذاً سُمّيت "تهجيراً قسرياً"؟، أليس من المعيب على منظمة إنسانية وضعتها الدولة السورية بصورة كل الاتفاقات التي توصلت إليها مع الميليشيات المسلحة وسمحت ﻷعضائها بمقابلة هؤلاء المسلحين دون عوائق، أن تمتنع عن المساهمة في إفراغ مدينة سورية من أي تواجد مسلّح؟، وهنا يحق للدولة السورية سؤال هذه المنظمة الدولية، لماذا رفضت تفتيش الجيش العربي السوري لـ"قوافلها الإنسانية" التي تريد إدخالها إلى أحياء حلب الشرقية إذاً، وارتأت توقيفها لسبعة أيام ومن ثم العدول عن إدخالها بشكل كامل، فقط ﻷن الحكومة السورية رفضت مرورها بدون تفتيش؟، هنا نحن من يحق لنا السؤال عن طبيعة المواد التي كانت تحتويها هذه "القوافل الإنسانية"، هل هي مواد "حربية"، هل هي أسلحة أو ذخائر أو حتى "مقاتلين أجانب"، على غرار مافعله "جيش الإسلام" عندما اقتحم مدينة عدرا العُمالية في ريف دمشق الشمالي الشرقي؟؟، فلتجيب الأمم المتحدة عن هذه الأسئلة بطريقة واحدة، وهي أن تقبل تفتيشها علانيّةً وبلجان مشتركة من طرفها ومن طرف الجانب السوري، إن كانت تريد فعلياً "إغاثة" أهالي الأحياء الشرقية الذي سارعوا للدخول إلى مناطق سيطرة الجيش السوري ما أن أعلن عن فتح بوابات خروج قبل يومين باتجاه مناطقه..
مساء أمس، استهدف سلاح الجو السوري قافلة "مجهولة" قالت التنظيمات الإرهابية أنها "قوافل إنسانية" دخلت من تركيا إلى مناطق ريف إدلب في "أورم الكبرى" بشكل خاص، ومن خلال عدد من مقاطع الفيديو التي بثّها ناشطين تابعين للميليشيات المسلحة، تبيّن أن الاستهدافات لهذه القوافل ولّد "انفجارات" كاللتي تنجم عن استهداف مستودعات ذخيرة أو سيارات محملة بالذخائر، فهل هذه قوافل إنسانية، أم "قوافل عسكرية؟، وإلى أين كانت متّجهة؟، هل إلى ريف حماة الشمالي الذي تقدّمت فيه التنظيمات الإرهابية بحجّة الهدنة؟ أم إلى مناطق إدلب التي تشهد "احتشاد جهادي" هو الأول من نوعه منذ بدء اﻷزمة السورية ويكاد أن يتخطّى الحشد الذي هاجم مناطق سيطرة الجيش السوري في ريف حلب الجنوب غربي "معركة حلب الكبرى"، حيث تنوي الفصائل "الأجنبية" هناك بفتح جبهة "سهل الغاب" وهي الجبهة المقابلة لجبهة شمال حماة التي تشهد أعنف الاشتباكات منذ قرابة الشهر تقريباً أو أقل؟؟
الهدنة الأخيرة التي توصل إليها الجانبين الروسي والأمريكي وبـ"موافقة الدولة السورية"، كانت تكتيكاً ذكياً من الحلف السوري للإيقاع بالتحالف الأمريكي، وإظهاره أمام الملئ أنه مُسبب للأزمة السورية وليس "منقذاً" كما يرغب أن يُشيع في المحافل الدولية، وأن جميع الهُدن التي وافقت عليها روسيا وحلفائها كانت "تذاكي" أمريكي ومحاولة ﻹعطاء الفصائل الإرهابية "نَفَس" بعد كل هزيمة لهم أمام الجيش وحلفاؤه، إلا أن الجانب الروسي على مايبدو، لم يتحسّب جيّداً للجنون الأمريكي، والذي وصل إلى لحظة اختارت واشنطن فيه التضحية بـ"سمعتها" ﻹنهاء الاتفاق، والهجوم بشكل مباشر على مواقع الجيش ومن ثم "الاعتذار" عن الجريمة على أنها "خطأ"، وإن لم تنجح في إقناع "جمهورها" بذلك – وهو ماحصل – تتجه لدفع حلفائها كـ"استراليا والنرويج وبريطانيا …الخ"، لتبنّي العملية الإجرامية ليقول البنتاغون لاحقاً: "هؤلاء هم المجرمون وليس نحن"..!! بالرغم من التبنّي الأمريكي الكامل للعدوان، وهو ما تؤكده البيانات الأمريكية "الثلاثة" التي أعقبت الجريمة والتي أظهرت "الارتباك" اﻷمريكي، الذي يُشبه في مضمونه "الارتباك الإسرائيلي" في أعقاب إسقاط الدفاعات الجوية السورية لطائرتين إسرائيليتين فوق القنيطرة، عندما حاولت الاعتداء على نقاط الجيش، قبل إعلان فشل "معركة قادسية الجنوب" التي أعلنتها الفصائل الإرهابية في المنطقة، والتي كانت بإشراف إسرائيلي كامل حينها.
ما أن أعلن الجيش السوري إنهائه للهدنة، حتى استكملت وحداته العسكرية عملياتها في عدد من الجبهات الرئيسية وعلى رأسها حلب. هذه رسالة سوريّة واضحة للجانب المعادي، بأن "صبرنا على سلامكم نفذ"، و"أننا راهنّا أكثر منكم على وقف إطلاق النار والجنوح للسلم، إلا أنكم اخترتم الحرب … فلتكن الحرب إذاً بيننا".










Discussion about this post