ما كان يحتاجه رجب طيب اردوغان لإنجازه خلال سنوات، صار متاحا خلال أيام قليلة. تعزيز قاعدته «الإخوانية»، التخلص من خصومه وإضعافهم، تعديل الدستور، إطلاق أيدي الأجهزة الأمنية، كم أفواه الإعلام المعارِض، والأهم ربما استكمال شطب الإرث الكمالي العلماني، لمصطفى كمال أتاتورك. قريبا، تركيا التي ظلت حتى وقت قريب توصف بهويتها الأتاتوركية، ستصير تركيا الاردوغانية..jpg)
كل الخطوات التي أقدم عليها اردوغان منذ ما بعد المحاولة الانقلابية، تشير إلى ذلك المسار. أمس، عزز اردوغان جموح «المقصلة الاردوغانية» هذه، بالقول في مقابلة مع وكالة «رويترز» إن المؤسسة العسكرية التي اعتقل الآلاف من جنرالاتها وجنودها، يجب أن تخضع لـ «إعادة هيكلة». جهاز الاستخبارات الواسع النفوذ، كشف عن ثغرات كبيرة في عمله، قال اردوغان في المقابلة. هل تكون خطوته الجديدة التخلص من حقان فيدان، الرئيس القوي للجهاز وحليفه المقرب منه منذ سنوات، كما فعل مع رفيقي دربه عبدالله غول وداود اوغلو؟
صارت سياسة الاستئصال تطال كل شي، من الجيش إلى الأمن والجامعات والمؤسسات التعليمية والمصارف والهيئات الدينية ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة. ولاستكمال هذه السياسية على ما يبدو، قال اردوغان في المقابلة إن هناك احتمالا لمحاولة انقلاب جديدة، لكنها لن تكون سهلة فـ «نحن أكثر حذرا». ولهذا، فإنه يقول الآن، إن تمديد حال الطوارئ التي أعلنها أمس الأول لمدة ثلاثة شهور، ممكن أيضا.
وتابع خلال المقابلة التي أجريت في قصره في أنقرة الذي استهدف خلال محاولة الانقلاب: «من الواضح تماما أنه كانت هناك فجوات وأوجه قصور كبيرة في معلوماتنا.. لا جدوى من محاولة إخفاء ذلك أو نفيه. قلت ذلك لرئيس المخابرات الوطنية».
قبلها بيوم، قال اردوغان متوجها إلى خصومه «إعلموا انها لن تكون الهزيمة الأولى، هكذا سيكون الحال من الآن فصاعدا». الرئيس التركي يقود «ثورة مضادة» مغتنما اللحظة السياسية المناسبة تماما، والاعتقالات والإقالات التي طالت أكثر من 60 ألف شخص، تشير إلى هذه الوجهة بوضوح.
ومن جهته، أكد وزير العدل بكير بوزداغ أمام البرلمان التركي، الذي وافق على خطة إعلان الطوارئ، بأغلبية 346 صوتاً في مقابل 115، أن الغرض من فرض حالة الطوارئ «منع وقوع انقلاب عسكري ثان»، مُشدِّداً على أن المواطنين «لن يشعروا بأي تغيّر» في حياتهم خلال حالة الطوارئ وانها «لن تؤثر سلباً» على الاقتصاد أو الاستثمار.
ودعم حزب «الحركة القومية» المعارض إعلان حالة الطوارئ لأنه «يخدم المصلحة الوطنية».
وعلّق النائب سيزغين تانريكولو من حزب «الشعب الجمهوري» المعارِض في تغريدة على موقع «تويتر» قائلاً: «تمّ تعليق الحقوق والحُرّيات الأساسية».
ويسمح البند 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان للحكومات بتعليق بعض الحقوق والحريّات التي تكفلها «في الظروف الاستثنائية» بشكل «موقت ومحدود ومنضبط». وأعلن نائب رئيس الحكومة نعمان كورتلموش أن أنقرة ستُعلِّق العمل بالاتفاقية «بما لا يتناقض مع التزاماتها الدولية كما فعلت فرنسا» بعد اعتداءات تشرين الثاني 2015.
وأمل كورتلموش في رفع «حال الطوارئ بأسرع وقت ممكن»، مضيفاً: «إذا عادت الظروف إلى طبيعتها، نعتقد أن ذلك سيستغرق شهراً إلى شهر ونصف كحد أقصى»، متمنياً «ألا تدعو الحاجة إلى تمديد إضافي».
«مقصلة اردوغان»
لم تتوقّف حملة «التطهير» إذ لا يزال 109 جنرالات وأميرالات موقوفين وخصوصاً قائد سلاح الجو السابق اكين اوزتورك والمساعد الخاص لاردوغان علي يازجي الذي نفى، في إفادته أمام النيابة في أنقرة أمس، ضلوعه في محاولة الانقلاب أو علاقته بالداعية فتح الله غولن.
وحكمت محكمة مدينة الكسندروبوليس اليونانية، أمس، بالسجن شهرين مع وقف التنفيذ على العسكريين الأتراك الثمانية الذين فرّوا إلى اليونان صباح السبت بعد ساعات من محاولة الانقلاب، وذلك بعد إدانتهم بالدخول «بطريقة غير مشروعة» إلى البلاد.
وقال مسؤول في الشرطة اليونانية إن العسكريين سيبقون موقوفين على الرغم من وقف النفاذ حتى بتّ طلبات اللجوء التي تقدّموا بها.
قلق دولي
وبدأ سريان حالة الطوارئ في الساعة الواحدة صباحاً بالتوقيت المحلي. وتمنح حالة الطوارئ السلطة التنفيذية مزيداً من السلطات، كما أنها تُجيز إصدار مراسيم تشريعية لها «قوة القانون»، بحسب الدستور.
وحذّرت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا من أن «حالة الطوارئ لا يُمكنها إضافة صبغة شرعية على إجراءات غير متكافئة، بينها منع الجامعيين مؤخراً من السفر بداعي العمل، بين إجراءات أخرى».
كما استدعت النمسا السفير التركي في فيينا من أجل الحصول منه على «توضيحات» حول التطوّر «الذي يتّجه إلى مزيد من التسلّط» لدى الحكومة التركية وحول دورها المفترض في تظاهرات الجالية التركية في فيينا.
بدوره، دعا وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير أنقرة إلى الكفّ عن مطاردة المُعارِضين السياسيين غداة إعلان حال الطوارئ.
وقال الوزير: «من الضروري أن يكون حال الطوارئ محدوداً بفترة زمنية» يجب في ختامها أن «يُرفع على الفور»، داعياً أنقرة إلى احترام مبادئ «دولة القانون» وتطبيق حال الطوارئ «بشكل مضبوط».
لكنّ المتحدّث باسم البيت الأبيض جوش ارنست أشار إلى أن واشنطن حثّت أنقرة على الحفاظ على المؤسسات الديموقراطية بعد محاولة الانقلاب، لكنّ الإدارة الأميركية «لن تُدقّق في كل تفاصيل الوضع في تركيا»، في موقف أقلّ حدّة من السابق إزاء الإجراءات الأمنية التي اتخذتها أنقرة إزاء الانقلاب.
الاقتصاد
تراجعت الثقة الاقتصادية في الأسواق بدرجة كبيرة. وسجّلت الليرة مستوى قياسياً مُنخفضاً عندما بلغت 3,0970 ليرة للدولار في ساعة متأخرة أمس الأول، فيما انخفض مؤشر البورصة الرئيسي بنسبة 3,6 في المئة.
ورأى رئيس «المصرف المركزي الأوروبي» ماريو دراغي أن تطوّرات الأوضاع في تركيا ربما تؤثر في الثقة الاقتصادية في منطقة اليورو.
(«السفير»، «الاناضول»، ا ب، ا ف ب، رويترز)










Discussion about this post