غالباً ما تعاند أحداث الساحة اليمنية عمليّة الخروج بتقدير «رصين» للموقف بشكل عام. إذ إن التناقض الهائل تحكّم لسنوات طويلة بمجريات الاحداث، على اعتبار أن للصراع هناك تاريخاً طويلاً ومتشعباً، وفقاً لتشابك مصالح القوى الإقليمية والدوليّة الناشطة في الداخل، وكذلك المنخرطين فيه بشكل مباشر، وفي مقدّمهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح بما يشكل من «زعامة تاريخية»، حيث لم تقدّم صراعات وحروب اليمن نسخاً تحتمل اللونين الأبيض والأسود فقط، وانقسامات عمودية واضحة المعالم، بل جاءت بغالبيتها شديدة التداخل. وقد بان ذلك في «حروب النشأة» التي تلت الحرب العالمية الثانية، وعمليّة إعادة قولبة المنطقة العربية على شاكلة تخدم ميزان الرابحين والخاسرين، كالثورة العسكرية على الإمامة المتوكليّة العام 1962، والتي تحوّلت الى حرب أهلية بمفاعيل وأبعاد عربية ودولية. كما ظهر في الحروب بين صنعاء وعدن التي رسمت نسق علاقة الشمال بالجنوب، مضافاً إليها مجمل الصراعات «المصاحبة» للحروب الاساسيّة، كالصراعات الداخلية في الدولة الجنوبية السابقة، والحروب «الداخلية» شمالاً وفي مقدمها «الحروب الست» بين صعدة وصنعاء
.
لم يكن أداء الرئيس السابق علي عبدالله صالح خارجاً عن حدود التناقض هذا على الإطلاق. فالرجل تمكن خلال عمليّة بناء «سيرته الذاتية» من تطوير عمله السياسي بتشعباته الأمنية والعسكرية والاجتماعية، وفقاً للطبيعة الحاضنة اليمنية، خاصة أنه «تسلّم زمام الحكم في الجمهورية العربية اليمنية (الشمال السابق) عقب مقتل الرئيس أحمد الغشمي بفترة قصيرة. إذ تنحّى عبد الكريم العرشي عن الرئاسة خلال أسابيع قليلة فقط من توليه مهام الحكم. وقد جاء اغتيال الغشمي قبل ذلك في مكتبه في القيادة العامة للجيش في 24 تموز 1978، بمثابة الإعلان عن فصل جديد في تاريخ اليمن. فشكل المدخل الأساسي لتحول صالح من رجل النظام القوي، إلى النظام بحد ذاته، خاصة في ظل الأجواء «الوطنية» التي استثمرها «المشير» إثر اتهام الدولة الجنوبية بقتل الرئيس الشمالي من خلال حقيبة ملغومة، حملها من عدن مهدي أحمد صالح، المبعوث الجنوبي الرسمي وقتها.
على هذه الشاكلة من التشعّب والتعقيد جاء زمن الصعود لـ «زعامة» علي عبدالله صالح. وعلى شاكلة لا تختلف في الصورة والمضمون كذلك، أدار الرجل كامل الملفات التي كونت «سرديّة» اليمن التاريخيّة بما فيها من حروب أهليّة و «بينيّة»، وبمعزل عن آلاف «الجزئيات» التي ساهمت في رسم النسق السياسي وحتى الجيوسياسي لليمن بنسخته الحالية. إلا أن نشاط الرئيس السابق ارتكز الى «اعتبارات» رئيسية أو «معطيات» وجد نفسه مضطراً للمناورة بين «ألغامها»، وفي الوقت ذاته مساهماً هو الآخر في «زراعة» ألغام أخرى بين «أزقتها»، كوّنت مجتمِعةً حالة غير منطقيّة من «الفوضى المستقرة» التي حكم في ظلها لعقود عدة، واستمر في صناعة الخيارات «النهائية» لليمن، أو المساهمة في صناعتها بالحد الأدنى خلال الفترة التي تلت خروجه من السلطة.
الحزب والقبائل على حساب الزيدية
يمكن اختصار المعطيات السياسية والاجتماعية الداخليّة التي تحكمت بصالح والعكس، بثلاثة عناوين رئيسية، تتباعد زمنياً، لكنها تفضي الى الحسبة ذاتها في نهاية المطاف:
1ـ الانسلاخ عن القاعدة الزيدية المتديّنة، وهذا كان نتاجاً طبيعياً للمسار الصعودي الذي سلكه صالح للوصول الى رأس هرم السلطة، خاصة أنه انضمّ الى الجيش الجمهوري مباشرة بعد انطلاق الثورة العسكرية ضد الإمامة المتوكليّة. ويُقال في هذا الوارد إن احلام السكن في القصر الرئاسي، بدأت بعد عمله خلال الحرب الأهليّة اليمنية التالية للثورة، في حماية القصر في صنعاء كقائد لإحدى المدرعات، الى أن أصبح قائداً لكتيبة مدرعة في السنوات الأخيرة من الحرب. وعلى هذا المنوال، دخل علي عبدالله صالح عالم السياسة، من الباب الذي خرج منه «أئمة» الدولة صاحبة التاريخ الممتد لأكثر من ألف عام، على اعتبار ان المملكة المتوكليّة كانت وريثاً «طبيعياً» لما سبقها من ممالك زيديّة منذ عهد الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم نهاية الألفية الأولى والعام 898 تحديداً.
2ـ الانفتاح على قطاعات مجتمعيّة واسعة: طالما أن الرئيس صالح نشط في دائرة بعيدة تماماً عن المؤسسة الدينية في صعدة، فإن نشاطه السياسي تركز في السنوات الأولى على تجميع الفئات المجتمعيّة غير المنظمة، وهي في الغالب تكون الأكثرية، ضمن «مرجعيّة» سياسية «سلطوية» موحدة. هكذا جاءت عملية إنشاء «المؤتمر الشعبي» العام بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وضمه لتناقضات فكرية وثقافية مختلفة تبحث عن منبر سياسي «آمن»، إضافة لتمكنه من لمّ شمل غالبية الجمعيات والتكوينات الحضريّة الصغيرة. وهذا أثمر كتلة شعبية مناصرة لصالح، انما من دون أجندة «عقائدية» تجعل منه «زعيماً طبيعياً»، كباقي «الزعامات» التاريخية التي امتلكت بعداً اجتماعياً ثقيلاً بمعزل عن «صفتها» الرسميّة. يُضاف الى هذا اضطراره الدائم لبناء التحالفات، وهذا ما خلق الأجواء المناسبة لجمع المنتمين لفكر «الإخوان المسلمين» في بوتقة سياسية واحدة تحت اسم «التجمع اليمني للإصلاح» بعد إعلان وحدة العام 1990، كتنظيم شريك في السلطة الى جانب «المؤتمر الشعبي»، ما أثمر فوز «الإصلاح» بـ 62 مقعداً في الانتخابات النيابية الأولى لليمن «الموحّد» العام 1993.
3ـ الانفتاح على الثقل القبليّ. فالرئيس صالح وحتى قبل أن يتولى السلطة، كان من الأوائل الذين تنبّهوا الى أهميّة القبائل في الميزانين العسكري والسياسي، خصوصاً ان الجمهورية الوليدة ورثت جيشاً ضعيفاً بعد «اندثار» جيش الإمامة، وكنتيجة مباشرة أيضاً لحرب امتدت ثماني سنوات. وبالتالي وجد صالح في القبائل متنفساً «استراتيجياً» لمشروعه السياسي، حيث خطا في العلن نحو شرعنة الدور القبلي عندما وجه رسالة إلى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في شباط 1979، يطالبه فيها بتعبئة القبائل لمواجهة الاضطرابات الحدودية، وكذلك في إنشائه «مصلحة شؤون القبائل» في ثمانينيات القرن الماضي، لتقوم بدور وزارة شؤون القبائل التي ألغاها الرئيس المغتال إبراهيم الحمدي في إدارة عملية توزيع التمويل على مشائخ القبائل، ما أثمر في نهاية المطاف دعماً منقطع النظير من القبائل للجيش اليمني في حربه مع قوات الزعيم الجنوبي علي سالم البيض العام 1994، وهي خطوات أجبرت صالح على منح شيوخ القبائل أدواراً شبه رسميّة في قيادة المدن والحارات «الجنوبية» بصفة «مشائخ» أو «عقال».
صالح وعودة «الزعامة»
إضافة للمعطيات الداخليّة، أدار صالح ملفاً كامل التشابك والاشتباك من الإقليم القريب وكذلك مع العناصر القريبة ذات الثقل في التركيبة الاستراتيجية للقوى الدوليّة، وهي تتنوّع ما بين موقع اليمن في خاصرة الخليج الجنوبية الغربية، وكذلك تحكّمه بمدخل البحر الأحمر، إضافة لدوره الحيوي في صناعة واستثمار ولاحقاً محاربة العناصر «السلفيّة الجهاديّة». علماً أن الأخيرة وُظّفت بشكل هائل في حرب افغانستان ابان الاحتلال السوفياتي، ثم الحرب الأهليّة اليمنيّة، قبل أن تتحول الى تنظيمات مطاردة بشكل مباشر منذ منتصف العقد الماضي. وقد حصل هذا برغم استخدام بعض تركيباتها في الحروب الستة بين الرئيس صالح والحوثيين، بإدارة مباشرة من جنرال الحرب ونائب الرئيس الحالي علي محسن الأحمر، وصولاً الى أزمة ما بعد العام 2011 وتنحّي صالح عن الحكم في وجه «عاصفة الربيع العربي»، التي ضربت اليمن بشكل سريع ومتواتر، وأفضت الى محاولة قتله الشهيرة.
لكن محاولة قتل صالح لم تتمكن من اغتياله سياسياً، كما لم تفضي «المبادرة الخليجيّة» إلى إخراجه من الصورة بشكل كامل. فقد بدا الرجل، الى حد بعيد، عصيّاً على «التحلل»، وإن تسبب نزفه السياسي والمالي بخسارته عناصر هائلة، شكلت مجتمعة الرافعة السياسية والشعبية الدائمة لنشاطه وعمله. لكن عمليّة تقليم الأظافر القسرية التي خضع لها في السنوات الأولى لما بعد المبادرة، تمكن لاحقاً من افشالها من خلال امتطائه صهوة «عاصفة الحزم»، وترويضه مفاعيلها الداخليّة بما يخدم عودته القوية الى الساحة. حيث نجح في استثمار التركيبة العسكرية «النخبوية» التي بناها طوال العقود الماضية، تحديداً في الحرس الجمهوري السابق الذي حوّله القوة العسكرية الضاربة الأبرز على الساحة اليمنية، حتى مقارنة بالقوات البريّة العربية المشاركة في الحرب على بلاده. كما تمكن من «إعادة تدوير» سيرته الذاتية، بما يسمح بـ «غسل» قلوب أفضى الى تحوله لقائد «وطني» في أماكن لم يدخلها من قبل إلا كعدو أو خصم في الحد الأدنى، كصعدة وجوارها، وبالتالي نجح في تخطي مفاعيل ثورة الستينيات، بفعل «العصبية الوحدويّة» التي حفزتها «عاصفة الرياض».
كما بدت «أصابع» صالح جليّة في ادارة العمليات العسكرية للجيش و «اللجان الشعبية»، ومنها إشراك «الحوثيين» في محاولة «غزو» الضالع غير المبررة عسكرياً، ومنع سقوط تعز بشكل كامل بيد حزب «الإصلاح» ومسلحي آل المخلافي في المدينة. كما ظهر دور الرجل على مستوى العمل السياسي في إدارة الملف التفاوضي في الكويت. فقد أفضت العمليّة هناك الى «جمود» مؤقت، لكنه يرتكز الى الرؤية العمليّة الوحيدة التي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لحل «شبه نهائي»، خاصة أن خريطة طريق المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ أحمد، تمحورت حول تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 2216، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى الملفات الشائكة. ما يعني عملياً ترحيلاً اضافياً للازمة الى منطقة خلاف داخلي من دون رعاية دوليّة، وهذا ما ادى الى رفضها، في مقابل إصرار وفد الرئيس عبد ربه منصور هادي على تنفيذ عناوين «عاصفة الحزم»، كتسليم المدن والسلاح قبل أي شيء آخر.
في مقابل ذلك، شكلت رؤية صالح مدخلاً منطقياً للحل. اذ ارتكزت على وقف العمليات العسكرية اولاً، والعودة الى اتفاقية جدة الحدودية لعام 2000 ثانياً. كل ذلك توازياً مع رفع الحصار المفروض قبل الاتفاق على سلطة تنفيذية «توافقيّة»، تشرف على تشكيل لجنة للانتخابات ثم إجرائها برقابة دوليّة، والأهم من ذلك تشكيل لجنة عسكرية تضم وزيري الدفاع والداخلية وخبراء دوليين من أميركا وروسيا وعُمان، على أن تتولى اللجنة الإشراف على الانسحاب من المدن وتسلم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، ثم وقف الحملات الإعلامية والاتفاق على برنامج لإعادة الإعمار وإنشاء صندوق لذلك برعاية الأمم المتحدة وروسيا وأميركا وعُمان والكويت والجزائر. وبالمجمل، يمكن القول إن المبادرة هذه تظهر رهاناً قوياً من صالح على أن «دورة» النخبة المنتظرة في اليمن، قد تفضي الى ترسيخ «زعامته»، وبطبيعة الحال، «زعامة» شريكه القوي أو ربما «الأقوى» عبدالملك الحوثي. اذ بدا الطرفان أكثر اقبالاً على تبني «الخيارات» ذات البعد الديموقراطي في المرحلة المقبلة، وهي محاولة قد تفضي إلى عملية إعادة توزيع أوزان طبيعية على المنخرطين في الصراع، وفي مقدمهم الرئيس هادي
سنمار الاخباري – السفير










Discussion about this post