مثلما نحن مجتمعات اللا انسان، مجتمعات اللاعدالة، مجتمعات اللاديمقراطية، مجتمعات اللا ابداع، كيف لا نكون… مجتمعات اللا حقيقة؟
بين اسطنبول والرياض (بينهما واشنطن)، لكأنها رقصة الدراويش حول الحقيقة. في نهاية المطاف تقع مغشياً عليها. الأحرى، تقع على الأرض، وتدفن تحت الأرض.
اذ انقضت عملية تقطيع، وتذويب، الجثة، بذلك الغباء الفظيع، يجري تقطيع، وتذويب، الحقيقة، بذلك الغباء الفظيع…
نقول للسعوديين، أشقاءنا السعوديين، كفى هلهلة في التعاطي مع حادثة القنصلية. ما هو ذاك الشيء، البعيد عن منطق الأشياء، عن جدلية الأشياء، الذي قمتم به ليستحق كل تلك الكمية من الضجيج؟ ثمة خروف ضال. حاولتم اعادته الى الحظيرة. لم يعد. ذبحتموه…
أليس جمال خاشقجي «رهينة ملكية»، كما كل الرعايا السعودية، ومنذ أن أقام عبدالعزيز آل سعود دولته بالسيف. القرآن وضع الى جانب السيف، وكما قال ابن رشد، لتغطية الدم، ولتغطية القهر، بالنص المقدس.
متى لم يكن اياه النافخ في البوق، بوق البلاط وبوق المذهبية في منطقة قيل لنا أنها أرض الأنبياء (أقصر الطرق الى الفردوس)، قبل أن تغدو اقصر الطرق الى جهنم، ان لم تكن هي جهنم؟
كل ما في الأمر أنكم لم تتوقعوا أن يحمل رجب طيب اردوغان الجثة، وهو الذي يطفو فوق أوقيانوس من الجثث التي لا تزال على قيد الحياة، ويعرضها للبيع على أرصفة الدنيا.
هو الذي أغدقتم عليه الذهب ليكون رجلكم في سوريا. ما أن يصل على حصانه الى ضفاف بردى حتى يسلمكم الصولجان الدمشقي (يا لبهاء دمشق!).
لم نكن أمام الحماقة الاستخباراتية، بل وامام الحماقة الديبلوماسية أيضاً. بعد كل التجارب المريرة، والمريعة، مع الرئيس التركي، لم يدرك السعوديون ان اردوغان لا يعمل الا لاردوغان.
موكب القتل في شوارع اسطنبول، كما لو أنه كرنفال العراة في الريو. لا وجود للحد الأدنى من الحرفية، ومن الابداع، في الاعداد وفي التنفيذ.
وجاء بيان النائب العام ليزيد الهلهلة هلهلة. كل ذلك الفريق بأدوات التقطيع والتذويب، حضر الى القنصلية للتفاوض مع الضحية والعودة الى بلاده. العودة الى الزنزانة أم العودة الى المقبرة؟
يا حضرة النائب العام، بالوجه المكفهر واللغة المكفهرة، هل تعتقد أن ثمة أحداً في الكرة الأرضية لم يسخر من كل كلمة تفوهت بها؟ طبعاً، نستثني دونالد ترامب، وجون بولتون، وجاريد كوشنر. اين دموع ايفانكا التي حملت والدها على ضرب سوريا بالتوما هوك اثر مسرحية القنابل الكيميائية؟
البلاط توقع أن تحدث الجريمة على غرار ما يحدث في روايات آغاتا كريستي. يضيع الرجل، وتضيع الجثة. لا طائل من البحث في الملاهي الليلية. أخيراً، البحث المقزز في المجاري الصحية.
ولكن ألا يشير كل شيء الى أن عيون حقان فيدان كانت ترصد كل التفاصيل من لحظة هبوط الفريق في المطار؟ بطبيعة الحال له عيونه داخل القنصلية. كان بالامكان الحيلولة دون وقوع الجريمة. انتظر فيدان (بناء لأوامر من؟) حتى يقع السعوديون في المصيدة. يلقى القبض على الجثة ويبدأ التفاوض. هنا الحلقة الذكية الوحيدة من كل حلقات العملية. الجثة اختفت…
الفريق كان يتألف من عناصر تنتمي الى أجهزة مختلفة، وباختصاصات مختلفة. هذا يعني أن ثمة مجهولاً رفيع المستوى أعطى الأوامر بالتنسيق والاعداد.
ذاك «المجهول» الذي حين كان في السادسة عشرة، وضع رصاصة أمام قاض ينظر في ملف عقاري حساس، وقال له اما أن تحكم هكذا أو تستقر الرصاصة في رأسك.
السيرة الذاتية لـ«السيد المجهول» تثبت عدم قدرته عل تحمل انتقادات «أحد كلابنا» على صفحات «الواشنطن بوست» وان صيغة بريش النعام. اقتلوه…
خاشقجي الذي ترعرع بين رجال (وغلمان) البلاط، كان يعرف الكثير الكثير من التفاصيل الحساسة، الخفايا الحساسة. تنقلّه بين واشنطن واسطنبول أثار سلسلة من الأسئلة، سلسلة من الهواجس. اذاً، آتوني برأسه قبل أن تتكاثر حوله الرؤوس.
جثة الصحافي السعودي بدت كما لو أنها تشق الطريق الى التراجيديا اليمنية. ايهما الأكثر فظاعة اذا كان هناك من ضمير في أميركا، تقطيع جثة بالمنشار أم تقطيع آلاف الجثث بالقاذفات الهائلة، وقد انقضّت على مواكب التشييع، وعلى حفلات الزفاف، وعلى الحافلات المدرسية؟
هلهلة! هي الوجه الآخر للغطرسة. كان بيان النائب العام مروّعاً بتقطيعه للحقيقة. لاحظوا فصاحته في احلال مصطلح «تجزئة الجثة» بدل «تقطيع الجثة».
هل أن التبريرات التي أعطيت لحادثة القنصلية أكثر صدقية، وأكثر اخلاقية، من التبريرات التي أعطيت لـ«عاصفة الحزم»، وكانت… عاصفة الدم؟
قبالة الهلهلة السعودية الهلهلة الأميركية. لاحظوا الانتقائية، وحتى التفاهة، في مواقف جماعة البيت الأبيض. الأولوية الان لوقف الفظاعات في اليمن. عارنا، عار العرب، الى الأبد…
نبيه البرجي – الديار اللبنانية











Discussion about this post