نبيه البرجي
الفيلسوف، والكاتب، الايطالي أومبرتو ايكو تحدث أمام مجموعة من الكهنة، في أحد الأديرة، عن «الأزمة التي يواجهها الله في ادارة جهنم». ربما كان علينا أن نتحدث أمام أساقفة السياسة، وأساقفة الغيب (وهم أساقفة العدم)، عن الأزمة التي يواجهها الله في ادارة الشرق الأوسط. تحديداً، في ادارة العرب…
بانوراما الخراب التي تغطي المسرح. دول، ومجتمعات, تنفجر. فوضى سوسيولوجية مروعة. دول، ومجتمعات، تدار بعصا القرون الوسطى. العروش التي يجلس الحاخامات على أكتافها.
في القرون الوسطى، وكما يذكر أندرو ديكسون، في كتابه «تاريخ الحرب بين العلم واللاهوت المسيحي»، كانت الكنيسة تعتقد أن العبرية هي اللغة ـ الأم، وانها من وحي الرب، بما في ذلك تنقيط الحروف على أيدي الحاخامات. آدم تعلم العبرية عندما كان يمشي، ويتكلم مع الرب. جميع اللغات الأخرى اشتقت من العبرية اثر حادثة بابل».
سياسياً، لا شيء يفصلنا عن القرون الوسطى. قد نكون، بشكل أو بآخر، اشتقاقات، أومشتقات، اسرائيلية!
كيف لنا أن نتقيأ كل تلك الجثث؟ دونالد ترامب يفاوض حركة «طالبان»، التوأم الايديولوجي، والميداني، لتنظيم «القاعدة» الذي دمر رمز العظمة الأميركية في نيويورك. يتعامل، مخملياً، مع كيم جونغ ـ أون بالرغم من تهديده بقصف الولايات المتحدة بالقنابل النووية.
لا ندري لماذا يفترض بالشرق الأوسط أن يبقى وحده على حافة الدم. من يتصور أن باستطاعة آيات الله ملامسة الضفة الأخرى من الخليج ؟ الاسرائيليون الذين يغتصبون الأرض، ويغتصبون التاريخ، بل ويغتصبون الزمن، لم يعودوا الأعداء. الأعداء هم الايرانيون…
دونالد ترامب يفعل كل شيء لتفجير الحرب بين الرياض وطهران، تماماً، كما فعل جيمي كارتر (نجم كمب ديفيد) في الحرب المبرمجة بين العراق وايران.
يفترض تدمير السعودية وايران معاً. أن تذهب كل ثروات، وكل أجيال، المنطقة الى المقبرة الأميركية. مهما قيل في الصفقات التي وقعها دونالد ترامب ومحمد بن سلمان، لنتصور ماذا يعني رقم 350 مليار دولار لشراء الأسلحة لدولة تتولى الأساطيل الغربية كلها حمايتها.
الخبير في معهد ستوكهولم سام بيرلو ـ فريمان هو من سأل «هل يدرك السعوديون والايرانيون ما هي تبعات الحرب بين ترسانتين هائلتين، خصوصاً اذا ما اخترقت القوات الايرانية الحدود العراقية، واندفعت الى الحدود السعودية؟».
الأميركيون والاسرائيليون قد يتدخلون لابادة القوات الايرانية. في كل الأحوال، وكما يقول الخبير السويدي، «انه قرع الطبول على أبواب الجحيم».
هل الايرانيون هم من أخرجوا المملكة من سوريا أم الأتراك الذين نقلوا دباباتهم الى قطر للحيلولة دون ولي العهد السعودي وغزوها بعدما تلقى الضوء الأخضر من دونالد ترامب؟ هذا ما عارضه البنتاغون بشدة، وفتح الطريق أمام رجب طيب اردوغان لينشر جنوده على أطراف قاعدة العديد العملاقة.
واشنطن، الآن، حيال خطوتين خطيرتين. اعتبرت الحرس الثوري منظمة ارهابية (والرد الايراني باعتبار الجيش الأميركي ارهابياً)، ثم، قريباً، رفع مستوى العقوبات باتجاه تصفير الصادرات الايرانية من النفط.
هذا يعني أن الأسطول الأميركي المرابط في الخليج، وصولاً الى عمق المحيط الهندي، سيتعامل مع اي زورق حربي ايراني على أنه زورق ارهابي، ما ينطبق، تلقائياً، على القطع البحرية الأميركية. النتيجة رفع احتمالات الخطر الى مستويات كارثية.
كل تلك التعبئة من أجل ماذا؟ لا أحد يتصور أن بوسع ايران وضع يدها على سوريا، أوعلى العراق، أو على اليمن، أو على لبنان بالتركيبة الفسيفسائية البالغة الهشاشة.
هي الدولة التيوقراطية، بالايديولوجيا (وبالثقافة) المغلقة. الكثيرون يرون أنها تكرس التوتاليتارية العقائدية، بعيداً عن ديناميات التفاعل، باستثناء التفاعل التكنولوجي، مع لعبة القرن.
علينا أن نقتنع بأن آيات الله، بمشكلاتهم الداخلية القاتلة، يهددون الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة، وحتى لدولة مجهرية مثل البحرين. ثمة أدمغة هادئة، ومتزنة، في طهران، وتمد اليد الى الجميع.
دول خليجية تدعو الى التفاهم، وحتى الى التعاون، مع ايران لأن المنطقة لا تستطيع أن تبقى، الى الأبد، على صفيح ساخن. الانفجار الكبير قد يكون وارداً في اي لحظة. لماذا كل ذلك التصلب في وجه ايران بالذات؟
البلاط السعودي، بالبنية القبلية، وبالتعقيدات الثقافية، يدرك أن استمراره، بالذهنية الراهنة، لم يعد ممكناً. الحل لا يكون بـ«ديموقرطية الروك اند رول»، ولا باستراتيجية الترفيه. تالياً، بالاستيعاب الميكانيكي للأجيال عقب سنوات من التعبئة الدينية العمياء.
هذا يفترض اختراع «الغول» الذي يبث الرعب في مفاصل المجتمع. ايران هي الورقة الذهبية. الركام التاريخي، والركام المذهبي، الذي يمكن تثميره في بناء السياسات، وفي بناء الاستراتيجيات.
الايرانيون يشعرون، للمرة الأولى، بهول الخطر. ثمة رجل مجنون في البيت الأبيض. غداة زوال الأمبرطورية السوفياتية، قال جورج بوش الأب بالنظام العالمي الجديد الذي يقوم على الاستقطاب الأحادي، دون أي اعتبار للتوازنات الدولية الضرورية لضبط الايقاع. زبغنيو بريجنسكي عقّب، في الحال، …«بل هي الفوضى العالمية الجديدة»!
ذاك المايسترو الذي يتولى ادارة الاوركسترا الدموية في الشرق الأوسط. احتمالات الانفجار كبيرة اذا ما مضى في سياسات التصعيد. الوضع مرتبك داخل الاستبلشمانت.
ماذا تعني أي حرب في المنطقة ؟ الخراب الميتولوجي. أكثر بكثير من هيروشيما. هل يعود هناك من موطئ قدم للكاوبوي الأميركي؟!












