هل مصادفة أن يكون بين مؤامرة تقسيم المنطقة (سايكس ـ بيكو) عام 1916 ووعد بلفور 1917 سنة واحدة فقط؟ أم أنه خيار استعماري وضع له أجندة ملزمة فتحقق. الأول صاغ المنطقة بما آلت إليه من تقسيم مع كل التبعات التي استجدت ومنها سلخ لواء إسكندرون عن سوريا إضافة إلى سلخ لبنان وغيره، والثانية تحقيق الوعد بقيام كيان إسرائيل ضمن مهمات لها ظهرت لاحقا.
ليس في التاريخ مصادفات، إنها أعمال مدروسة، وحقائق ملموسة، وبقدر ما تمكنت الدولتان الفرنسية والبريطانية، من تنفيذ اتفاقهما بعملية التقسيم الجنونية، فإن بريطانيا ظلت تعمل بلا هوادة وجهزت الواقع الفلسطيني بترتيبات متلاحقة إلى أن حققت قيام الكيان.
لم يكن الفلسطيني في تلك السنوات التي أعقبت الوعد المشؤوم يتأمل مسيرة المؤامرة وهو واقف من بعيد، بل قدم عروضا من الرفض المتكرر والثورات المتلاحقة، لكنه ظل وحيدا، وقد كان قيام إسرائيل وجود زرع ضد الأمة كلها، لقد كان بالأحرى أن يكون التعبير عربيا شاملا وليس فلسطينيا فقط، مع أن أصواتا من خارج فلسطين قدمت حقائق عن الخطر الصهيوني نذكر منها خطاب أمين الريحاني في الولايات المتحدة، وكتابات انطون سعادة وغيره.
لعل ثورة العام 1936 في فلسطين خير تعبير عن التنظيم عن فهم للمؤامرة البريطانية قبل تحقيق غاياتها .. لكن الحقيقة التي سادت أن الفلسطيني ظل وحيدا، رغم كل الندوات المشتركة مع عرب معروفين.
هذا التلاعب بالأمة ما زال سمة استعمارية هدفها الدائم النيل منها تحت شعارات عدة .. أهمها منع قيام وحدتها وخير دليل على ذلك ما تعرضت له وحدة مصر وسوريا من مؤامرات كبرى اعتبرها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر أولى الهزائم العربية. وثانيها تفتيت ما يمكن تفتيته منها كي تظل إسرائيل الكيان الأقوى، وثالثها عدم السماح بوصول أي قطر عربي إلى قوة توازن قوة إسرائيل، ورابعها أنه ممنوع على العرب تحقيق اكتفاء ذاتي وهي موجهة لكل قطر من أقطاره..
ومثلما استفاق العرب على تنفيذ التقسيم الذي وضعه على الورق المندوبان الفرنسي والبريطاني وكان شاهدا على ذلك المندوب الروسي الذي هو من قام بفضح تلك المؤامرة لاحقا، جاء قيام إسرائيل ضربة على الرأس لم نقم منها حتى الآن، وهي التي ستظل طويلا مصدر الأزمات العربية ومحط الخطورة على الأمة. وما حدث خلال تاريخ ما بعد النكبة من أزمات وحروب إسرائيلية دليل على وجود إسرائيل الاستعماري ودوره كشرطي ولاعب خطير ضد محيطه العربي. بل ما يحدث اليوم في المنطقة العربية ليس بعيدا عن الكيان العبري، بل هو في صميمه، فالخطط الأميركية والتنفيذ بعض العربي، يبقى من أجل حماية ذلك الكيان وإعطائه قوة مركزية في المنطقة وفي الأبعد.
لا شك أن مئة عام وأكثر بقليل على التقسيم والوعد، ليست شيئا يذكر في تاريخ الأمم الناهضة الواعية القادرة دائما على تفشيل الخطط بما تملك من قدرة على التضحيات .. حدث هذا في التاريخ الفلسطيني، ويحدث اليوم في سوريا والعراق وليبيا وقبله في مصر والجزائر ولبنان… مئة عام في التاريخ مجرد تجربة عبرت، نتائجها مثقلة بالفواجع لكنها قدمت مراحل من النضال العربي ما زال قائما، ومن ثوابته سوريا وحزب الله والقوى المسلحة في العراق والبقية ستأتي.
زهير ماجد– الوطن العمانية











Discussion about this post