تزداد الأجواء في منطقة الشرق الأوسط سخونة وتوترا كل ساعة مع استمرار سياسة الرد والرد المضاد بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإيرانية حيال مسألة العقوبات الأميركية التي فرضتها على تصدير النفط الإيراني, واكتملت بشكل نهائي مع نهاية فترة الإعفاءات التي منحتها الولايات المتحدة لبعض الدول لاستيراده, الأمر الذي دفع الإيرانيين من جهتهم إلى اللامبالاة بهذا الحظر وهذه العقوبات التي تنظر إليها إيران على أنها انتهاك لسيادتها واستقلالها, الأمر الذي دفعها إلى الالتفاف عليها من خلال تصدير النفط عبر ناقلاتها العملاقة, وهي رسالة مضادة وقوية للغاية موجهة للتحرك والقوة الأميركية.
فكان الرد الأميركي على هذا الالتفاف الإيراني برسالة أخرى عبر إرسال حاملة طائرات وقوة من القاذفات الأميركية إلى منطقة الشرق الأوسط. تأكيدا لدور “الشرطي ورجل الأمن الدولي” ولعل الأيام القادمة تدفع إلى مزيد من الرسائل المماثلة في سيناريو شحن وتوتر مفتعل بين الطرفين, مع احتمال زيادة رقعة تضارب المصالح لدخول أطراف دولية جديدة بشكل مباشر إلى دائرة هذا الصراع, خصوصا أن العقوبات الأميركية على إيران تلامس مصالح العديد من الدول حول العالم, من ضمنها حلفاء للولايات المتحدة الأميركية.
فما هي السياسات والتوجهات التي تكمن وراء هذه الخطوة الأميركية, خصوصا أن واشنطن تدرك تمام الإدراك نتائجها العكسية الخطيرة على الاستقرار والأمن الدولي بوجه عام, وعلى شركائها وحلفائها في المنطقة كدول مجلس التعاون الخليجية وإسرائيل خصوصا؟ فهل هي رسالة تحذير وتهديد لإيران من مغبة استمرارها في العناد وعدم الانصياع للإملاءات الأميركية؟ هل هي لحماية المصالح الأميركية في هذه المنطقة من أي تحرك إيراني قد يلحق الضرر بالمصالح الأميركية؟ أم أن الولايات المتحدة الأميركية مستفيدة من رفع درجة التوتر في هذه المنطقة أكثر مما هي عليه أصلا، وذلك لتحقيق أهداف جيوسياسية واقتصادية طويلة الأمد؟
هل هي رسائل ضغط موجهة لدول المنطقة، خصوصا الدول العربية والخليجية للاستعداد للإنفاق أكثر على ترسانتها العسكرية من جهة, وللاستعداد لدعم الولايات المتحدة الأميركية ماليا من جهة أخرى عبر الفزاعة الإيرانية؟ خصوصا بعد الفشل الأميركي في مواجهة الجمهورية الإيرانية سياسيا واقتصاديا حتى الآن؟ أم هي رسالة أوسع وأكثر شمولية موجهة للقوى الكبرى في العالم كروسيا والصين تحديدا, مفادها عودة الولايات المتحدة الأميركية إلى الواجهة الدولية بقوة عبر إعادة إحياء المركزية والقطبية المتراجعة؟ بالتالي فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تترك المنطقة لهما, ولن تصمت حيال بعض القضايا التي كانت فيها روسيا والصين بمثابة الشوكة في البلعوم الأميركي, خصوصا القضية السورية والأزمة في فنزويلا على سبيل المثال.
بتصوري الشخصي أن التحرك العسكري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والذي ربما يزداد شمولا وتوسعا خلال الفترة القادمة لا يقتصر في توجيه تلك الرسائل المباشرة والمبطنة على إيران فقط, بل يحمل أكثر من رسالة دولية، خصوصا في ظل وجود رئيس تمتاز شخصيته بالمزاجية والتسرع والاندفاع في إصدار القرارات. فمن جهة سيشكل مزيدا من الضغط السياسي على دول المنطقة، خصوصا دول الجوار الإيراني, الأمر الذي قد يدفع مع زيادة نسبة التوتر إلى حصول بعض الأنشطة الاستفزازية أو الحوادث التي لم تكن بالحسبان.
يضاف إلى ذلك أن طهران وفي سبيل حماية مصالح الدولة العليا, أو حتى النظام نفسه, وفي لحظات الصفر قد يجدون فيها أنفسهم مضطرين للرد بطرق لن يرحب بها المجتمع الدولي, خصوصا إذا ما زاد الضغط عليهم أو حشروا في زاوية ضيقة, وهذه المرحلة طبيعية للغاية, فمن غير المتوقع وجود نظام في العالم يمكن أن يقبل التهديد والإسقاط, فكيف بنظام سياسي ذي صبغة أيديولوجية قوية للغاية, مع العلم أن النظام السياسي في إيران لديه من الخبرة السياسية والعسكرية، وكذلك الإمكانيات العسكرية والسياسية لمواجهة أي تهديد مماثل, مع العلم أن أكثر ما يخشاه المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية هو جهل الأميركيين وليس علمهم بالحدود النهائية لإمكانيات النظام الإيراني أو الخطوات الإيرانية المتوقعة في حال المواجهة التي أستبعدها شخصيا في الوقت الراهن, خصوصا أننا لم نسمع أو نشاهد أي تحرك عسكري غير طبيعي في إسرائيل, والتي ستكون بمثابة الضوء الأحمر لأي تحرك أميركي حقيقي تجاه الجهورية الإسلامية الإيرانية.
أضف إلى ذلك أن روسيا والصين هما كذلك معنيتان بهذه التهديدات, فعودة الولايات المتحدة الأميركية وبهذا الأسلوب والقوة يعيد إلى الأذهان سنوات المركزية الأميركية, تلك السنوات غير المرحب بها أصلا من قبل أغلب الوحدات السياسية الدولية, كما أنه يفرض عليها الانصياع إلى سياسة الدولة الكبرى المركزية, والتي ستفرض عليهما السير خلف سياساتها وتوجهاتها التي بكل تأكيد تتضارب بقوة مع مصالحهما الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وهذا الجانب كذلك أحد أبرز الأسباب التي يمكن أن تكون سبب في فشل استمرار سياسة لي الذراع أو عرض العضلات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط عموما وضد إيران خصوصا. وهو ما سيتأكد خلال الأيام المقبلة.
محمد بن سعيد الفطيسي – الوطن العمانية











