تفاجأت ببعض الصحف العربية وهي تغرد عن ذاك المقتول في ريف حماة الساروت بإطلاق تسميات عليه منها “بلبل الثورة” أو “جيفارا سوريا” وغيره. أحيانا يتحول التاريخ إلى مكب ترمى فيه فقاعات لا تلبث أن لا تصل إليه .. تظل على ما هي حتى تنفجر غير محدثة أي أثر. هذا النوع من الذين يلبسون المرحلة، هم كثر في التوقيت الخطأ وفي الفهم الخطأ .. هم أدوات للغير يحاربون بسيفه ومن أجل أهدافه، ثم يموتون حسب مواعيده التي يرتئيها.
امتلأت سوريا بالمشاغبين من هذا النوع إن لم نقل الإرهابيين .. منهم من كانوا هاربين من العدالة، ومنهم من كانوا مهربين لشتى الأنواع القاتلة للإنسان، ومنهم من تفحمت قلوبهم غلا من قوة الغضب غير المبرر، ومنهم من رأى في اللعبة الجديدة حضورا له وهو الذي يسعى منذ زمان لأخذ موقع جماهيري شعبي..
اختلط الحابل بالنابل، وكلهم ذهبوا في الاتجاه المريع الذي هو مقاتلة جيشهم المصمم لقتال عدو تاريخي، فإذا بهم يحولون حضورهم إلى أعداء، يشنون عليه الهجمات، يقاتلون بكل قوة، ثم يرتمون في أحضان العدو إذا ما جرحوا أو تضايقوا ظنا أنه الملاذ الذي سيسعفهم دائما، وهو الذي ما فتئ يقدم لهم ما يحتاجونه من سلاح وذخيرة وتنظيم ومستشفيات لغايات لا تخفى على أحد.
مؤلم حقا تلك التسميات التي أطلقتها بعض وسائل الإعلام على هذا النكرة الذي صب رصاصه باتجاه جيشه العربي السوري، وفي الخلف منه من يموله ومن يعطيه دروسا في كيفية الشغب من أجل غاياته الأوسع والأشمل .. فلا هو “بلبل” والعصافير دائما نزيهة في طيرانها لأنها معلم للحرية، كما أنه لا علاقة له بـ”جيفارا” ذلك النبيل الذي حمل في أفكاره الإنسانية كلها، وبكى وهو طفل كلما رأى فقيرا ومحتاجا، وأراد وهو في قمة موقعه ألا يتراجع عن أهداف رسمتها أفكاره من أجل الإنسان في كل مكان.
سوريا تقاتل مثل الساروت وأمثاله من لم يفرقوا بين كون السلاح مفسدة وشريرا عندما يوجه إلى صدور جيشهم الوطني الواقف عند حدود الأمل بدور ينتظره دائما وهو تحرير الجولان وفلسطين .. من الناحية الأخلاقية فهو كافر كونه لم يلتزم بما حققته رعاية الدولة والنظام منذ طفولته وحتى شبابه .. هو لم يصبح شابا إلا بعد أن شرب من التقديمات العديدة التي أوصلته إلى غاياته كباحث عن المستقبل. وهو لم يقو عوده إلا لأن الدولة السورية دفعته إلى الميدان في مرحلة شبابه الأول، من أجل أن يظل معافى جسديا، ولعله فهم في كل الأطوار التي مر بها ما الوطن وماذا يكون؟ وما الأمة؟ وما تركيبها؟
الساروت وأمثاله إذن كان معروفا لضيق في الأفق كما قلنا أو غضب ذاتي أو هروب من العدالة أو بحث عن جمهور، أن يذهبوا باتجاه الخطأ القاتل الذي لا يمكن تصحيحه، فهو الخطيئة المميتة التي لا يمكن محوها مهما طال الزمن أو قررت الدولة العفو عنهم، وهو مقاتلة الجيش العربي السوري الذي هم أهله وأقاربه وأصدقاؤه، بل هم ضميره الدائم الذي يجب ألا يتزعزع أبدا .. بل هم الأبطال الذين صدق الشاعر سليمان العيسى حتى وصفهم بالزنود السمر التي تبتسم.
الوطن العمانية – زهير ماجد











