”.. أمام الشحة المتواصلة في الصدق وشحة الانتصار للحق والعدالة والسلوك الطيب والتوقف عن الخيانات، وأمام أننا لا نعرف من حياتنا إلا الندب المتكرر والاستبسال في الجزع وتشويه السمعة وفرض أتاوات المحبة (كل شيء بثمن) فإننا بحق بحاجة إلى منظومات أخلاقية جديدة تعيد الاعتبار إلى التوازن، وأن نكف عن هذا العزاء المستشري في نفوسنا حين نعالجه في استطلاع أبله..”
نشكو كثيرا من ارتفاع أسعار البضائع والأدوية وبعض الخدمات، كما نشكو من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة ونسبة الجريمة، ونشكو أيضا ولا نمل من ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم التلوث والزحف الصحراوي، ونشكو أيضا من زيادة ظواهر النسيان والترهل والنميمة. نحن نتحدث عن هذه الزيادات أيضا في ظواهر الأرق والسمنة والاتهامات الكيدية والتنصل، وتغليب نزعة السلطة على المفهوم الإداري التشاوري، مع أن هناك خيطا سميكا يفصل بين المفهومين. في العراق، وفي بلدان أخرى تحكمنا ضغوط الزيادة ومخاطرها ولكن دون أن ننتبه إلى النقص؛ لأنه أيضا يمثل ضغطا خطيرا في حياتنا. نحن مولعون في التضخيم وإضافة الكثير من (المقبلات) لدعم آرائنا في هذا الشأن أو ذاك دون أن نلتفت إلى وحش الشحة. هناك شحة في أخلاقيات ترشيد المياه لتعميق شحة المياه المنزلية ومياه السقي الزراعي، وهناك شحة في رفض التجاوز على حقوق الملكية العامة بما يغذي نوايا الاستحواذ واغتصاب حقوق الآخرين، ويحضرني هنا أن في العراق الآن أكثر من ٢٥٠ عشوائية سكنية توالدت بشكل أميبي دون أن يكون هناك رادع ضميري يمنع ذلك. الشحة الأخرى التي تحثني على الحديث عنها هي الشحة التي ضربت القيم العائلية وأفقدتها التضامن والتسامح والتآلف ضمن وعاء ود كان ينبغي أن يكون حاوية هذه القيم مع وفرة خطيرة في الانقطاع بين أعضاء العائلة الواحدة وإلا كيف يمكن تبرير وصول معدلات الطلاق في العراق إلى ٧٠ ألف حالة خلال العام الماضي ٢٠١٧ ، وأي مسوغ يقنعنا باعتيادية حالات الطلاق الجارية في مصر، إذ بلغ حصول حالة طلاق واحدة كل أربع دقائق، وكيف لنا أن نقنع أنفسنا أننا استهلاكيون بشكل طبيعي، وأن استهلاكاتنا لا تتعدى الأرقام الاعتيادية، في حين أننا مبذرون بامتياز خصوصا عند إعداد الولائم، ولك أن تضع رقما غير محدد لعدد الولائم التي أقيمت في مضايف ودواوين ومطاعم درجة أولى تحت ظل أمل الحصول على حقيبة وزارية، بل وعلى مقعد وظيفي ضمن حاشية الوزراء الذين سيتبوأون مناصبهم مع يقيني أن رئيس الوزراء المكلف الدكتور عادل عبدالمهدي هو الآن في الزاوية الضيقة من المداولات، ويعاني تأزما لأنه لا بد أن يداري الكتل الكبيرة، وفي الوقت نفسه يداري أمله في أن يلتقط بعض المرشحين لشغل مناصب وزارية من الذين قدموا طلباتهم إليه على أساس ما يتحلون به من كفاءة وخبرة ونزاهة وأمل في إصلاح شؤون البلاد. وكيف يستقيم الحديث عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في حين لا يخلو البيت العراقي الواحد من مكب لبقايا الطعام، وخصوصا أرغفة الخبز في هدر واسع متواصل، وإذا كان البريطانيون قد اشتكوا من أن فضلات الطعام المنزلي في بلادهم تصل قيمتها إلى ملياري جنيه إسترليني سنويا فأنا على يقين أن هذا المبلغ يتضاعف إذا اعتمدنا إحصائية لهدر الطعام في البيوت العربية، مع علمي أن الأتراك والإيرانيين أكثر اقتصادا في منطقة الشرق الأوسط بمخلفات الطعام.
أمام ذلك وأمام الشحة المتواصلة في الصدق وشحة الانتصار للحق والعدالة والسلوك الطيب والتوقف عن الخيانات، وأمام أننا لا نعرف من حياتنا إلا الندب المتكرر والاستبسال في الجزع وتشويه السمعة وفرض أتاوات المحبة (كل شيء بثمن) فإننا بحق بحاجة إلى منظومات أخلاقية جديدة تعيد الاعتبار إلى التوازن، وأن نكف عن هذا العزاء المستشري في نفوسنا حين نعالجه في استطلاع أبله مستعرضين واجهات الأسواق بنزعة التملك والوقوع في فخ الإعلانات التحريضية، وإلا ليس من المعقول أن ترصد إحدى شركات التجميل الغربية إعلانات في المنطقة العربية بقيمة ٦٠٠ مليون دولار سنويا لمجرد تسويق بضائعها.
أليس هناك شحة في القناعة، والخاتمة العزاء للأب الذي اشتكى من أن ابنه المراهق لا يوفر لنفسه دقائق للتطلع إلى والده في حين يظل منكبا في استطلاع واجهة هاتفه الجوال.
عادل سعد – الوطن العمانية











Discussion about this post