حتى منتصف العام الماضي كان وضع المسلمون بأسبانيا يسير عاديا وطبيعيا جدا، سواء كان بأكثر المقاطعات الإسبانية من حيث كثافة تواجد المسلمون بها الا وهي كتالونيا، أو بأندلوسيا مرورا بالعاصمة مدريد وبمدن فالنسيا وألميريا وبيلباو سبتة ومليلية وغيرها، الى أن جاء بمنتصف يوليو الماضي كي تدعو فيه كلا من “حركة النهضة ” التونسية و”حزب العدل والاحسان” و”حزب العدالة والتنمية” المغربيان انصارهما في اسبانيا الى الانخراط في العمل السياسي والحزبي، والاندماج داخل الاحزاب الاسبانية بمختلف توجهاتها الايديولوجية، تمهيدا لخوض الانتخابات، والترشح فيما بعد لتولي المناصب القيادية داخل مؤسسات الدولة الاسبانية خلال السنوات القادمة.
فقد توجهت تلك الكيانات السياسية العريقة ببلادها بمخاطبة كافة الشباب الاسباني المسلم مباشرة، وفى المقدمة الطلبة الذين يدرسون في الجامعات الاسبانية ذوي المؤهلات العليا التي تمكنهم مستقبلا من اختراق مراكز صناعة القرار والتوغل فى المناصب السياسية العليا، وجائت تلك الخطوة بعد أن عقد الاتحاد الإسباني للمنظمات والجماعات الدينية الإسلامية باسبانيا، وهو الكيان المؤلَّف من أكثر من 200 منظمة وجمعية، العديد من الاجتماعات الغير معلن عنها للاعلام والصحافة، والتي طرح خلالها فكرة إنشاء حزب إسلامي داخل اسبانيا، يسعى لضم اكبر قدر ممكن من الشباب المسلم فى كافة قطاعات الدولة الاسبانية، وأن يخضع لإرشاد جماعة العدل والإحسان، وهي سلسلة الاجتماعات التى كان أخرها بشهر يونيو الماضي، وجميعها كانت تهدف لاختراق مناصب ومؤسسات الدولة الاسبانية.
وان كان يعلم أغلبنا ماهية “حركة النهضة” التونسي و”حزب العدالة والتنمية” المغربي بحكم تولى الاول زمام الامور فى تونس بعد ثورة الياسمين2011، والثاني هو الحزب الحاكم بالمغرب ومنصب رئيس الوزراء دائما يأتى منه، أما الحزب الثالث “حزب العدل والإحسان” لمن لا يعرفه فهو يعد من أحد أكبر التنظيمات الإسلامية بالمغرب، بعد ان أسس على يد عبد السلام ياسين الذى تولى منصب مرشدها العام حتى وفاته سنة 2012، ثم خلفه محمد عبادي في 24 ديسمبر 2012 بلقب الأمين العام، بعد ان تقرر الاحتفاظ بلقب المرشد العام لمؤسس الجماعة عبد السلام ياسين.
وتختلف جماعة العدل والاحسان عن الحركات السلفية ببعدها الصوفي، وتتميز عن الطرق الصوفية بنهجها السياسي المعارض، واتخذت منذ نشأتها أسماء متعددة من أسرة الجماعة، إلى جمعية الجماعة، ثم الجماعة الخيرية، لتعرف ابتداء من سنة 1987 بأسم “العدل والإحسان” وهو شعارها الذي أخذته من الآية القرآنية: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون”.
والان ونحن ننظر لخريطة أوروبا وما تحمله لندن من ثقل هائل لجماعة الاخوان المسلمون، بجانب روما التى تحتضن بعض رؤوس جماعات الاخوان الليبية، ثم يذهب اسلاميون بلجيكا لما هو أبعد من ذلك، بعد سعي الحزب الاسلامي فى بلجيكا (مقر الاتحاد الاوروبي) أحد متصدري الساحة السياسية البلجيكية، لترشيح مندوبين عنه في انتخابات هيئات السلطة المحلية التى كانت مقررة فى أكتوبر الماضي، بعد أن قرر الحزب ترشيح أعضاؤه على 28 بلدية مرة واحدة في بلجيكا، ثم نرى اليوم فى اسبانيا يتخذ الاسلاميون قرار عليه العديد من علامات الاستفهام فى توقيته، خاصة وان العلاقة بين المملكة المغربية وجارتها الشمالية المملكة الاسبانية حساسة جدا، لا تتحمل أي أحداث ثقيلة من ذلك المستوى، فى ظل تورط عشرات المغاربة فى تنفيذ اعمال ارهابية بأسبانيا بالاعوام الثلاث الاخيرة، ولا ننسى كم المشادات بين مدريد والرباط بأخر عامين، حتى أنه تم احتجاز زورق العاهل المغربي بالمياة الاقليمية الاسبانية فى اغسطس 2014 لساعات، عندما أوقفت دورية للحرس المدني الإسباني (خفر الشواطئ) يختا على متنه الملك محمد السادس في مياه مدينة سبتة التابعة إداريا لإسبانيا وطلبت منه أوراق الهوية، نتسأئل كيف سيكون شكل القارة العجوز فى المستقبل القريب؟ كيف سيكون شكل المسلمون بأوروبا وكيف ستكون أوروبا بهم ؟
فهل أصبحت حقا هوية الشعوب والامم الاوروبية فى مهب الريح، بعد أن أتخذت شعوب أوروبا من المال وسيلة وهدف حتى غلب المنهج الرأسمالي على كل شئ، وصارت العلمانية من اسلوب تفكير وفلسفة لدين بدلا من المسيحية، حتى تحولت غالبية الكنائس بأوروبا لمتاحف ومكتبات، وبات الملحدين هم النسب الاكبر فى العديد من دول أوروبا، وتبدلت ملامح وجوه الاوروبيين من الشقراء الى الملامح الافريقية السمراء، فى ظل الكم الهائل من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلوا أوروبا قادمين من افريقيا.
وكيف سيكون شكل الاسلام فى اوروبا، وشكل أوروبا نفسها فى ظل حشد الاسلاميون بأوروبا لصفوفهم لبدأ التحرك الجماعي، فى ظل تأثر مسلمي اوروبا الذين ولدوا وعاشوا فى المجتمع الاوروبي المتحضر بالفكر الداعشي (حسب تقارير سلطات تلك الدول)، حتى رأينا قيادات لداعش فى سوريا والعراق من اصول وجنسيات اوروبية.
وأن كنا طرحنا سابقا سؤال كيف سيكون شكل اوروبا فى ظل تلك المشاهد، وكيف سيكون شكل المسلمون فى اوروبا فى ظل تلك التطورات، فهناك اسئلة اخرى يطرحها المشهد لا تقل اهمية، وهو ما السر فى ذلك التوقيت الذى قرر فيه اخوان المغرب العربي اختراقهم للمجتمع الاسباني ومؤسساته علنا؟
وهل لرحيل رئيس الوزراء الاسبق ماريانو راخوي وقدوم بيدرو سانشيز الملحد (الذى رفض تأدية اليمين على كتاب الإنجيل، مطالبا بإبعاد أي صلبان خلال مراسم التنصيب) خلفا له بعد تدخل من نادي بيلدربيرج، الذى كانت اولى انذارته لراخوي بالرحيل فى 2012، هو سبب فتح شهيتهم للتوغل فى الساحة السياسية لأعرق ممالك اوروبا؟ ام ماذا؟
وهل تلقى حزب العدالة والتنمية (الحزب الحاكم بالمغرب) ضوء أخضر من القصر الملكي بالرباط للعب دور سياسي فى اسبانيا والتغلغل بها؟ فى ظل تخوف اسبانيا الدائم من أي صعود للتيارات الاصولية، خاصة بعد أن نشرت السلطات الاسبانية معطيات تفيد بتلقي حزب “بوديموس” (ممثل اليسار المتشدد باسبانيا) دعما من إيران، فلدى اسبانيا حساسية خاصة تجاه أي تنظيم اسلامي بحكم تاريخها الاندلسي، وبحكم جغرافيتها التى جعلتها على بعد مسافة قصيرة جدا من شمال افريقيا وبلاد المغرب العربي.
خلاصة القول بات العديد من المفكرين والساسة الاسبان يتسألوا هل ستدخل اسبانيا نفق لندن الاسلامي، أم أن اسبانيا ليست كبريطانيا فى اداواتها الاستعمارية، ولا فى قدرة تحملها على التعامل مع تلك التيارات، وستقطع الطريق مبكرا على أي محاولة من قبل تيار الاسلام السياسي للتغلل بأعرق ممالك أوروبا.
فادي عيد
الباحث و المحلل السياسي بشؤون الشرق الاوسط










