ألقى أردوغان بصفته زعيم حزب العدالة والتنمية خطاباً أمام كتلته البرلمانية. كان خطابا تقليديا يحاكي خطابات رؤساء الأحزاب الذين خسروا في الانتخابات.
وكان في مزاجِ مدير فنِّيٍّ خسر فريقُه في مباراة دَرْبِي إسطنبول بفارق كبير، فأخذ يسلي جماهيره بمقولات مثل: سنستخلص الدروس من هذه المباراة ونتطلع إلى المباريات المقبلة. فإذا كان المدير الفني وأعضاء الفريق يحافظون على مركزهم فهذا يعني أن الفريق سيواصل هبوطه وخسارته، ولن يتغير الأمر بتبديل المهاجم بلاعب احتياطي آخر، ما لم يتحكم المدير في عقلية سائر اللاعبين.
لقد ألقى أردوغان من شُرفة مبنى حزبه كثيرا من الخطب الرنانة، وأطلق عددا لا يحصى من رسائل المصالحة الوطنية… وهذه هي النتيجة… فقد واصل هو بنفسه تنفيذ سياسة قائمة على الكراهية والتهميش باستخدام الشرطة والقضاء لتكميم أفواه جميع الفئات المعارِضة.
ما هي جدوى كل تلك الحفلات الكبيرة التي كانت تُبَثّ على الهواء مباشرة، تحت شعار: “الإصلاح القضائي” والتي لم يأخذها أحد من الناس على محمل الجد، وأصبحت طيَّ النسيان؟! فهل هناك مَن لمس شيئا من آثار “الإصلاح القضائي” المزعوم، والذي قال عنه رئيس اتحاد نقابات المحامين: “إنه يرفعنا إلى ما فوق مواصفات الاتحاد الأوروبي” هل من المتوقع أن يتخلى أردوغان عن التدخل/التحكم المباشر في القضاء؟ وهل من الممكن أن يتحقق ذلك فعلا؟
وكما أننا لم نلمس في الأسواق ثقة بما كان يعلن صهرُه وزيرُ الاقتصاد على رأس كل أسبوع عن حزمة إصلاح اقتصادي جديد، فكذلك لن يثق الناس بتصريحاته عن الديمقراطية والوفاق الوطني.
لن يتخلى أردوغان عن نهجه الذي يعاقِب فيه المعارضين، ويدرّ الأموال والمنافع على الموالين له، ولن يستطيع التخلي، لأن طبيعته تأبى ذلك. كما أن جرائمه المتراكمة أجبرته على إنشاء تحالفات تدفع به إلى مثل هذه التصرفات الهوجاء.
أنشأ أردوغان نظامًا على أساس السلطنة، وقسَّم البلاد في ضوئها إلى إمارات صغيرة، فها هي الخطوط الجوية التركية إمارة برأسها، وشركة (Turkcell) هي أيضا إمارة أخرى، وهلم جرا، ولا نزال نقرأ كل يوم في وسائل الإعلام المعارضة ادعاءات حول هذه المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
لن تكفي الصفحات لسرد أخطاء أردوغان الفادحة. وآخر مؤشر على أنه سيمضي في سياساته التعسفية والمتعلقة بالحسابات الشخصية قرارُه الذي اتخذها قُبيل سفره إلى اليابان لحضور قمة العشرين بخصوص الإفراج عن موظف القنصلية الأميركية المحتجز في الإقامة الجبرية، في مبادرة منه لكسب رضا الرئيس الأميركي ترامب قَبل لقائه به. في حين أنه كان من المنتظر أن يتم إطلاق سراح الناشط المجتمعي عثمان كافالا ورفاقه المحتجَزين في السجن بذرائع واهية لا تستند إلى دليل. وهذا الوضع أعاد إلى الأذهان قضية الإفراج المواطن الأميركي من أصل تركي (سركان غُولْكَه) الموظف في وكالة ناسا الأميركية، بتاريخ 2019/05/29 حيث تم إطلاق سراحه آنذاك أيضا قبيل مكالمة هاتفية لأردوغان مع ترامب.
ويبدو أن أردوغان يظن أنه سيتمكَّن من التغلب على العقوبات الأميركية بهذه الطريقة، وهذا وحده مثال كاف على مدى انفصاله عن الواقع العالمي، كما أن إلغاء انتخابات إسطنبول كان دليلا واضحا على انفصاله تماما عن الواقع التركي أيضا.
يعتمد أردوغان في كل تصرفاته ومساراته على المراوغة وأساليب “المكر الشرقي” الذي يستخفّ بعقول الآخرين. ولا نتوقع منه احترام القانون ولا التعددية، فقد سلك طريقا لا رجعة فيه، وقطَعَ فيها شوطا كبيرا وصل به إلى نهاية المطاف.
نحن أمام سياسي يكون مرة من المدافعين الأكثر حماسة عن الشعب الكردي عندما توافق ذلك مصالحه الشخصية، ثم نراه ينقلب فجأة ضدهم ويطاردهم مطاردة الساحرات.
نحن أمام شخصية كان يلقي خطبا نارية يدين فيها المذابح التي ارتُكبت في الثلاثينيات بمنطقة دَرْسِيمْ ضد العلويين الأكراد، بينما هو الذي وقَّع قرار تدمير بلدة صور وشيرناق والجزيرة وهدمها بالأسلحة الثقيلة والدبابات.
نحن أمام زعيم يستعصي على التغيير، وبالأحرى يملك موهبة التحول إلى الأسوأ وفي الاتجاه المعادي للديمقراطية ريثما يكون ملائما لمآربه وحساباته الشخصية.
أجل، إنه يمتلك أسلوبا وخطابا سياسيا ربما يخوِّل له الاحتفاظ بقاعدته الشعبية الخاصة، ولكن من المستحيل أن يستألف بهذا الأسلوب أولئك الذين قام بتهميشهم ودفعهم إلى صفوف المعارضين.
ويُلاحَظ أنه بسبب موقفه المستخف حيال نتائج صناديق الاقتراع قد خيَّب آمالَ شريحة كبيرة من المثقفين والمتعلمين في صفوف المتدينين.
إن مسار الاقتصاد هو علامة على أن كل شهر قادمٍ سيكون أسوأ من الشهر السابق، كما أن تأزم العلاقات مع أميركا وأوروبا من المؤشرات المهمة على أن إفلاسا على غرار ما تعيشه الأرجنتين أصبح وشيكا.
إنه يحاول حاليًا تهدئة قاعدته الحزبية من خلال نشر مقالات تروق لهم. ومن الأمثلة على ذلك تلك الأخبار التي وردت على صفحات جريدة الصباح والتي تقول بأنه ممن الممكن أن يتخلى أردوغان عن رئاسة حزب العدالة والتنمية. وكل من له أدنى إلمام بالعمل الصحفي في تركيا يعلم أن هذه الجريدة التي يرأسها شقيق صهر أردوغان لن تنشر خبرا من هذا القبيل من دون مُوافقة شخصية من أردوغان.
إنه سيلعب بطريقته الخاصة وسيحاول أن يلفت الأنظار عن هزيمة إسطنبول،
وسيلهي الرأي العام بمثل هذه الأخبار، ليُنسِي تداعياتِ الهزيمة النكراء،
فأحيانا سيلوح بمغادرة منصبه في الحزب، وأحيانا أخرى بتغييرٍ وزاري في صفوف
الحكومة، وهكذا يفتح شهيةَ من ينتظرون دَورهم للحصول على منصب وزاري.
ولكن الواقع أنه انهزم.
أجل، انهزم في أكبر محافظات تركيا، وبفارق كبير.
وهذا يعني أن الطائرة مائلة إلى الأسفل ولا مفر من سقوطها وتحطمها.
وكلُّ يوم يجلس فيه أردوغان على الكرسي يعني بالنسبة للبلاد مزيدا من النزيف، والفقر، والانفصال عن العالم المعاصر.
والخلاصة هي أن النظام الرئاسي قد انهار، وأن حزب العدالة والتنمية في ذوبان مطرد على الرغم مما يمتلكه سلطة الدولة ووسائل الإعلام والقدرات المالية غير المحدودة.
صحيح أن هذا الحزب استطاع أن يغير المشهد بعد 7 يونيو بشتى الوسائل والألاعيب، ولكنه من غير الممكن تكرار نفس السناريو.
أظهرت انتخابات إسطنبول زيفَ الاعتقاد السائد بأن أردوغان سينقذ الموقف ببراعته وأنه سيُخرج هذه المرة أيضا من قبعته أرنبا… فقد نفدت الأرانب، وحان وقت إحالة الساحر إلى التقاعد… حيث إن التذاكر أصبحت باهظة الثمن ولم يعد الساحر يستطيع ترفيه جماهيره، لأن الألعاب أصبحت قديمة.









