من
الانتهازية إلى الاستبداد.. هكذا تحول رجب إردوغان خلال السنوات الماضية،
فبعد أن كان يكتفي بالتهديد، ويعلم العالم أجمع أن الأمور لن تتحرك عن
مسارها بعيدًا، أصبح الواهم بعودة الدولة العثمانلية المقبورة، ينفذ ما
يهدد به، ما جر عدة مناطق حول العالم، في البحر المتوسط، وليبيا، وسورية،
إلى مناطق صراعات لا تنتهي.
ففي 2017، عندما أعلن رجب إردوغان عن عزمه شراء منظومة الصواريخ الروسية
S-400، رغم التحذيرات الأوروبية والأمريكية من خطورة الصفقة، التي تجعل
تركيا الدولة الوحيدة داخل حلف شمال الأطلسي – ناتو- التي تشتري أسلحة من
عدو الغرب التقليدي روسيا، لم تؤخذ تصريحاته بجدية.
وبالمثل، فعندما أشعل الرئيس التركي منطقة
شرق البحر المتوسط نهاية العام الماضي، بتحريكه سفن بلاده للاستيلاء على
نفط وغاز قبرص بدعوى الحفاظ على حقوق كيان شمال قبرص غير المعترف به
دوليًا، بدا وكأن الحادثتين ما هما إلا أوراق ضغط يستخدمها إردوغان لتحقيق
مكاسب سياسية داخليًا وخارجيًا ولكنه غير جاد فيهما.
ولكن عندما بدأت تركيا مطلع الشهر الماضي في استلام الصفقة الروسية،
واستمرت عربدتها في شرق المتوسط، تيقن الجميع أن هناك شيء ما تغير في
استراتيجية الرئيس، فكيف يتحول رجل لطالما عرف بتغيير مواقفه تبعًا لمصالحه
إلى شخص “متزمت” يضحي بعلاقات تاريخية مع الغرب، ويعرض بلاده إلى حزمة
عقوبات تطيل من أزمتها الاقتصادية؟ الإجابة ببساطة تعكسها رحلة صعود
إردوغان إلى الحكم.
ميلاد الديكتاتور سياسيًا
قبل 25 عامًا من الآن، دُفع رجب إردوغان إلى واجهة الساحة السياسية التركية
بعدما استطاع الفوز برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى عام 1994 ممثلًا لحزب
الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان، حينها بدا وكأن تركيا قد ملت الانقلابات
العسكرية ووجدت في السياسي الشاب غايتها المنشودة.
آنذاك، لفت إردوغان الأنظار باعتباره قائدًا لتيار تقدمي داخل حزب الرفاه
ذو التوجهات الراديكالية وحامل لواء العثمانيين الجدد، وبدا أكثر ديمقراطية
وانفتاحًا على المجتمع وإيماناً بالتنوع، واعتمد على خطاب جذاب للشباب
يبتعد عن المسائل الخلافية ويركز على مواطن الاتفاق.
وبدا وكأن إردوغان يمتلك “خلطة سحرية”
جعلته مقربًا من الجميع، متدين يلتقط الصور مع المتبرجات وأصحاب محلات
الخمور ويزور بيوت الدعارة، لكن داخل أروقة حزب الرفاه كانت الخطوط تتقاطع
مؤشرة على انقلاب وشيك على أربكان.
استغل إردوغان فوزه اللافت ببلدية أكبر مدن تركيا، وروج لنفسه باعتباره
منقذ الحزب من قبضة زعيمه الذي حوله لـ” جماعة إسلامية أكثر منه حزبًا
سياسياً لكل أطياف الشعب”، كما سوق لنفسه أيضًا باعتباره جزءًا من فريق
يخضع لمشورة المتخصصين على خلاف نمط قيادة أربكان، كما انقلب على سياساته
بحجة ابتعادها عن الواقعية، واعتمادها على الخطب الحماسية.
إلا أن الضربة الفارقة في مؤامرة
إردوغان، جاءت بعد انقلاب 1997 الذي قَلب أوراقَ “الرفاه”، ووضعه أمام
اختبار جديد، إذ حل الحزب وحظر على أربكان ممارسة السياسة، قبل أن ينشيء
حزب الفضيلة.
إردوغان أدرك أن هذه هي اللحظة المناسبة للانقضاض على ميراث الإسلاميين في
تركيا، فأعلن معارضته علنية لمرشح أربكان على زعامة الحزب الوليد، رجائي
طوقان، ودعم ترشيحه لرفيق دربه عبد الله جول لرئاسة “الفضيلة”، لكن النتائج
جاءت لصالح أستاذ رجب فما كان منه إلا أن سلك طريقًا بات تقليدًا وهو
تأسيس حزب جديد، فكان العدالة والتنمية.
إردوغان نفعيًا
بعدما خلت الساحة أمام إردوغان، خاصة بعد حل حزب الفضيلة باعتباره
“امتدادًا لحزب قد أغلق ومركزًا لمناهضة العلمانية”، يخطأ السياسي الشاب
تقدير الأمور باعتقاده أن فوزه بثقة الجماهير في أكبر مدن البلاد، وازاحة
أستاذه أربكان عن المشهد السياسي، يعطيه الحق في الإعلان عن توجهاته كاملة
دون مواربة.
في إحدى التجمعات الجماهيرية عام 1999، أثبت إردوغان أن خلافاته مع أربكان
لم تكن إلا صراعًا على زعامة الحزب، حين ألقى قصيدة للسياسي التركي ضياء
كوك ألب، تضمنت أبياتاً غير موجودة في النص الأصلي تحرض على العنف
والكراهية، هي “المساجد ثكناتنا، القباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا”، ما تسبب
في سجنه وفصله من منصبه.
من السجن خرج إردوغان بدرس عمره :” مازالت
ديمقراطية تركيا بصبغتها العلمانية تضرب بجذورها في المجتمع، ولا يمكن
لسياسي يشق طريقه للصعود للسلطة المجاهرة بأفكاره الدينية المناهضة لها”.
لذا فعندما وصل إلى سدة الحكم رفقة حزبه العدالة والتنمية عام 2002، بدا
إردوغان أكثر وداعة، فقد تحول إلى الخداع الكامل، إذ اختلفت أهدافه المعلنة
قبل الوصول إلى السلطة تمامًا عما ظهر لاحقاً، لاسيما اعتبارًا من
احتجاجات جيزي 2013، التي كشفت بشدة الوجه الحقيقي لديكتاتور احتمى
بالديمقراطية ثم انقلب عليها.
بوصوله إلى الحكم، ترك إردوغان راديكاليته
جانبًا، وعمّد في العلن إلى التذكير دائمًا بديمقراطية تركيا ذات الصبغة
العلمانية، حتى إن خدعته انطلت على الغرب لدرجة أن دعت الولايات المتحدة
العالم الإسلامي إلى الاقتداء بالنموذج التركي، لاسيما سياسة “صفر مشاكل”
التي صكها رئيس الوزراء الأسبق ومنظر العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو،
للقضاء على الأزمات مع العوالم المتعدِّدة التي تنتمي إليها تركيا كالبلقان
وأوروبا والشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
هذه الاستراتيجية، منحت إردوغان فرصة الترويج لحزبه باعتباره ديمقراطيًا
متسامحًا مع التيار العلماني داخل تركيا، ومستجيبًا لشروط عضوية الاتحاد
الأوروبي الخاصة بإطلاق حريات التعبير، إلى جانب ذلك، مثل النمو الاقتصادي
الوهمي الذي انكشفت حقيقته مع أزمة العملة في أغسطس 2018، ورقة أخرى في يد
إردوغان ساعدته على نصب شراكه للاستئثار بالحكم.
وجه عثمانلي سافر
احتجاجات جيزي مايو 2013، مثلت مسرحًا مناسبًا لديكتاتور أنقرة لاختبار
قوته المتراكمة عبر 11 عامًا من الحكم، لذلك لم يكون غريبًا أن يخلع خلالها
قناع وداعته العلمانية وديمقراطيته الزائفة، كاشفًا عن وجهه العثمانلي
السافر.
آنذاك، كان إردوغان سياسيًا لا يقهر، استطاع حزبه بفضل خدعة النمو
الاقتصادي وقناع الوداعة الديمقراطية الفوز بكل اقتراع انتخابي واجهه، أما
عربيًا فقد نفش الطاووس العثمانلي أجنحته بعد نجاح الإخوان في الوصول لحكم
مصر وتونس وليبيا وتقدمهم في سورية.
لذلك فعندما تظاهر مئات المدافعين عن البيئة احتجاجًا على خطة حكومة
العدالة والتنمية لإزالة حديقة جيزي الصغيرة الواقعة بمدينة إسطنبول، لم
يفكر إردوغان مرتين وأمر بسحق المحتجين بكل عنف، حيث لم يعد في حاجة
للمراوغة والتحايل بعدما تيقن أن أقصر مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم.
قفزة أخرى للأمام
أما القفزة الكبيرة نحو الديكتاتورية، فحدثت في أعقاب مسرحية الانقلاب التي
ألفها إردوغان في يوليو 2016، فتحت ذريعة محاربة الانقلابيين وزع الرئيس
الاتهامات يمينًا ويسارًا دون سند وأدلة دامغة بهدف تصفية دولاب الدولة من
معارضيه ونشر أنصاره داخل مفاصل تركيا .
بحسب بيانات رسمية صادرة عن وزارة العدل التركية، بلغ عدد السجناء أو
المدانين بجرائم إرهابية حتى يونيو 2018، 246 ألفا و 426 من بين 48 و924
ألفا، بما يعادل خمس السجناء، فيما بلغ عدد المعتقلين بصلات مزعومة بفتح
الله جولن، المتهم الأول بتدبير محاولة الانقلاب المزعوم، نحو 34 ألفا
و241.
في تقريرها السنوي لعام 2018، قالت منظمة
هيومان رايتس ووتش إن الاتهامات بالإرهاب مختلقة وتفتقر لأدلة دامغة عن
وجود نشاط إجرامي أو “أعمال معقولة يمكن اعتبارها إرهابية”، معربة عن
تخوفها من استخدام إردوغان إجراءات الحبس الاحتياطي كشكل من العقاب الجماعي
للمعارضين.
التقرير أوضح استمرار المحاكمات الهزلية للعسكريين وغيرهم بتهمة الضلوع في
مسرحية انقلاب، وحتى يونيو الماضي أدين 2,177 متهم وبرئ 1,552 آخرين، حسب
وزارة العدل، وإلى الآن لم تصدر أية أحكام نهائية.
أكد أن تركيا مازالت الأولى عالميًا في سجن الصحافيين، حيث يبقي نظام إردوغان على 175 منهم رهن الحبس والسجن بتهم مختلقة عن علاقات موهومة بالإرهاب، لافتًا إلى أن الإعلام التركي يفتقر لأدنى درجات الاستقلالية والحرية، وأن أغلب الصحف والقنوات تحولت لمساندة الحكومة حفاظًا على بقائها.

دولة الرجل الواحد
ووسط هذا المناخ البوليسي والقمع المتزايد للمعارضة، نجح إردوغان في تمرير
استفتاءًا على الدستور في أبريل 2017 يتيح بتعديل نظام الحكم في البلاد من
البرلماني إلى الرئاسي ويعطي رئيس الدولة صلاحيات واسعة في مقابل تهميش
واضح لكافة السلطات الأخرى.
في تقريرها السنوي لعام 2018، قالت منظمة هيومان رايتس ووتش، إن الانتخابات
البرلمانية والرئاسية التي أعقبت التعديل الدستوري الجديد في 2018 أجريت
في ظل ملاحقات أمنية ورقابة مشددة على الإعلام.
أكدت أن النظام الرئاسي أقر للمرة الأولى بعد تعديل دستوري يفتقر إلى
الضوابط اللازمة لمنع تجاوزات السلطة التنفيذية، ويقلّص كثيرًا من صلاحيات
البرلمان و يعزز سيطرة إردوغان على التعيينات القضائية.
العداء للغرب
وإن كانت رحلة صعود إردوغان السياسية تعكس اختبائه خلف عباءة الديمقراطية
والتعددية السياسية وتسامحه مع الأقليات العرقية كالأكراد قبل الكشف عن
وجهه الديكتاتوري صراحة، فإنها تعطي مؤشرًا على تعامله مع الغرب.
منذ وصول العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002، كانت هناك زيادة ملحوظة في
معاداة أمريكا، إذ أظهر استطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”
أن 82٪ من الأتراك معادون لواشنطن، وأن أكثر الكتب رواجًا في تركيا تنطوي
على حروب خيالية مستقبلية ضد الولايات المتحدة.
ووسط هذا المناخ المعادي للغرب وخاصة
واشنطن، اختار إردوغان إظهار التفاهم مع الغرب علانية رغبة في الانضمام
للاتحاد الأوروبي، لكنه في الخفاء سمح لوسائل الإعلام الموالية له بنسج قصص
خيالية عن مؤامرات غربية ضد تركيا بهدف تقسيمها.
وجاءت اللحظة الحاسمة لسنوات حكم إردوغان الممتدة منذ 2002، والتي ساعدت
على ترويج نظرته العدائية تجاه الغرب وخاصة الولايات المتحدة، في 15 يوليو
2016، عندما ألف الرئيس مسرحية الانقلاب للانقضاض على عدوه اللدود فتح الله
جولن، زعيم حركة الخدمة، المقيم في أمريكا.
إردوغان روج من خلالها أن جولن وأنصاره
المنتشرين في قطاعات مختلفة حاول الإطاحة بحكمه وطالب واشنطن بتسليمه، لكن
الخدعة لم تنطل عليها ورفضت تسليم الداعية الإسلامي المقيم بأراضيها منذ
1999.
مشروع ميمري للإعلام التركي – يغطي الصحافة التركية، وقريبًا ستشمل تغطيته
القنوات التلفزيونية، وخطب المساجد، ومحتويات الكتب المدرسية- لاحظ تفشي
ظاهرة العداء لأمريكا داخل المجتمع، لافتًا إلى أن المقالات المنتشرة
بصحيفة يني شفق التركية- معروفة بعلاقاتها غير الرسمية مع حكومة العدالة
والتنمية- تعطي صورة بانورامية عن السياسة التي تنتهجها الحكومة في التعامل
مع أمريكا .
بعد فترة وجيزة من الانتخابات الرئاسية
الأمريكية في نوفمبر 2016، تساءل الدكتور حسن محالي الذي يكتب عمودا في
الصحيفة: متى نفهم أن هذه حرب صليبية جديدة؟ متى سندرك أن العدوان الأمريكي
يستهدف جميع البلدان والشعوب الإسلامية.
أضاف: بعد قصف مساجد الفلوجة، يقوم الجنود الأمريكان بتدنيسها والتبول على
جدرانها، وبعد غارات المنازل، يجرد الأمريكيون النساء والفتيات من ملابسهن
ويتحرشون بهن … لذلك صوّت 59 مليون أمريكي لبوش.
دراسة أجرتها جامعة قادر هاس في إسطنبول، بشأن تصورات الأتراك لمختلف قضايا السياسة الخارجية، تظهر إلى أي مدى تراجع الرأي العام التركي إزاء واشنطن، ففي 2015 اعتقد 31.5% من الأتراك أن الولايات المتحدة تمثل “تهديدًا” لتركيا، وفي الاستطلاع هذا العام ارتفع هذا العدد إلى 81.3%.










