هكذا يختزل بول كروغمان، الحائز نوبل في الاقتصاد، الفلسفة السياسية لدونالد ترامب. الرئيس الأميركي اذ يعتبر أن منطق السوق هو منطق «الحالة البشرية»، يرى في التاريخ مستودع الموتى !
من عقود نصحنا الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي بالابتعاد عن التاريخ القاتل، وعن الايديولوجيا القاتلة. آنذاك قال لي، في حديث أجريته معه، ان العرب يقلدون اليهود في النظر الى الله على أنه شيخ قبيلة، لا على أنه اله الأكوان والأقوام…
لا يستطيع حسن روحاني الا أن يكون على الضفة الأخرى. يدرك ما هو تأثير السوق في صناعة (وفي ادارة) السياسات، كما يدرك أن البراغماتية حدّت كثيراً من سيطرة الايديولوجيات المقفلة (وقد حلت محل الديانات)، لكنه ابن تلك التضاريس الايديولوجية والتاريخية المعقدة، ان لم نقل التضاريس العاصفة.
بول كنيدي الذي كتب عن غروب الأمبراطورية الأميركية, لاحظ أن القادة الأميركيين عانوا من «قلة التاريخ»، وقد بدأ هناك بابادة الهنود الحمر، وبالكاوبوي وهو يصوب فوهة بندقيته الى ذلك الآخر الذي ينافسه حتى في تربية الثيران. لهذا بالذات، كان التمثل بالأمبراطورية الرومانية. بنوا البيت الأبيض والكونغرس على الطراز الروماني.
ايمانويل ماكرون يأمل في أن يلتقي دونالد ترامب وحسن روحاني في حضرة التاريخ. ما يستخلص من الصحف، والشاشات، الفرنسية، أنه اختار، مبدئياً، قصر فرساي لاستضافة ذلك الحدث (المستحيل حتى الساعة).
ليس لأنه القصر الذي شهد مؤتمر الصلح عام 1919، وقبله النهاية الدرامية لماري أنطوانت، بل لأنه المكان «الذي تستوطن فيه الدهشة». وقع قدمي لويس الرابع عشر (الملك الشمس) لا يزال هناك. أيضاً قرقعة حذاء الملك البروسي فيلهم الأول الذي تم تتويجه في القصر قيصراً للرايخ الثاني عقب النصر الساحق الذي حققه بيسمارك على الجيش الفرنسي عام 1870.
التتويج شكّل استفزازاً مريعاً للفرنسيين الذين راحوا ينتحبون على ضريح نابليون بونابرت. أدولف هتلر احتل باريس ابان الحرب العالمية الثانية. بالرغم من ذلك كان لشارل ديغول وكونراد اديناور تنظيف الذاكرة من الحطام.
الرئيس الفرنسي أخذ شيئاً من فلسفة رينيه ديكارت، وشيئاً من ديبلوماسية شارل تاليران، في صياغة مبادرته. قناعته أن لعبة الدومينو في الشرق الأوسط لا بد أن تترك تداعيات كارثية على الجميع، مع عودة حتمية للايديولوجيات المجنونة…
الاليزيه يرى أن الأميركيين والايرانيين يدورون في حلقة مفرغة. لا مناص من كسر الحلقة. التفاهم أكثر من ضروري بين واشنطن وطهران اذا ما انسحب ترامب من أفغانستان، وأمسكت حركة «طالبان» (وهي تركيبة أميركية لحراسة أنابيب الغاز) بالسلطة. قد تنفجر البراكين في المنطقة…
اليمن مثال على البعد التراجيدي للصراع. الرئيس الفرنسي يعتقد أن احلال التطبيع التدريجي للعلاقات بين أميركا وايران محل المواجهة يمكن أن يشق الطريق أمام تسوية براغماتية للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. بحسب ما قيل، وما كتب، في باريس، الرئيس الأميركي «أصغى» الى مضيفه الفرنسي، وراح يفكر. هل يفكر حقاً؟
اذا كان يفكر، يفترض أن يقدم شيئاً للايرانيين غير الكلام المخملي. العقوبات قاتلة. أي محادثات بين القاتل والقتيل ؟
في رأس ايمانويل ماكرون أفكار حول خفض العقوبات أو تجميدها لفترة محددة. بانتظار تغريدة من دونالد ترامب، شرط ألاّ تكون… تغريدة الغراب !!
نبيه البرجي الديار










