اليمن الى أين، بل العرب الى أين…؟
لعل البعض يستذكر، وقد تحوّل اليمن السعيد الى حطام، «مهرجان الدبابات» في عدن، ابان الصراع بين الرفاق الذين أقاموا دولة ماركسية (بالمعنى القبلي للكلمة) على أرض سيف بن ذي يزن.
حين كانت الدبابات تفرغ من الذخيرة. كان الجنود يضربون الحديد بالحديد. آنذاك قال الخبير الاستراتيجي الفرنسي الجنرال جورج بوي ان مافعله حملة المطرقة والمنجل لا مثيل له في أروقة العدم.
المستشرق الأميركي برنارد لويس، لاحظ على ذلك النحو الفظ «أن العرب حولوا الدين الالهي الى قاتل. ليس مستغرباً أن يجعلوا من الايديولوجيا الشيوعية مطحنة للجثث».
كيف لهم أن يظهروا كل تلك الضراوة حين يندلع الصراع داخل القبيلة الواحدة، أو داخل الدولة الواحدة؟ أمام الايرانيين، والأتراك، والاسرائيليين، دجاج بـشري. أمام الأميركيين بالكاد… ذباب بشري.
الكوارث غالباً ما تنتج ما يمكن أن يسمى «الهزات الخلاقة». اليابان بعد هيروشيما، كوريا الجنوبية بعد طوفان الخوذات الحمراء. وكيف انتقلت ماليزيا من ثقافة النرفانا الى ثقافة هارفارد.
لا شيء من هذا في دنيا العرب. نظرة أخرى الى فيلم ستيفن سبيلبرغ «جوراسيك بارك»، لنرى، وليلة الخناجر الطويلة أمامنا في اليمن، كيف يتأرجح العرب بين رقصة الديناصورات ورقصة مصاصي الدماء.
حتى سوريا التي أعطت روما سبعة أباطرة، وقد صنعت اللآلئ الأندلسية، ابتليت بأولئك العرب الذين استجلبوا البرابرة من كهوف القوقاز وآسيا الوسطى، أي من قاع الكرة الأرضية، باللحى التي تكاد تكون مكانس للقمامة، لكي يقيموا الدولة الحديثة فيها.
«الشرق الأوسط، ذاك الكوكب الآخر الذي يدور حول جهنم». هكذا وصفه المعلق الشهير توماس فريدمان. لا أفق. الأرض لا تتقيأ النفط بقدر ما تتقيأ الدم. لهذا يقترح فريدمان اقامة وصاية دولية على المنطقة لضبط ذلك الايقاع الهيستيري. في نظره، الانحدار أكثر فاكثر في أوديسه الخراب.
كل الأصابع تلعب لمصلحة الولايات المتحدة. هل يتصور الايرانيون، وهل يتصور الأتراك، بتلك الترسبات التاريخية التي باتت خارج ديناميكية الأزمنة، أن باستطاعتهم التأثير قيد أنملة في المسارات الجيوسياسية، والاستراتيجية، في الشرق الأوسط؟
مثلما كانت كل الطرقات تؤدي الى روما، كل الطرقات تؤدي الى واشنطن. فريدمان، صاحب «العالم مسطح» يسأل «الى أين نحن ماضون في لعبة هيروشيما؟». حدقوا في المشهد. من عدن الى بنغازي، ومن ديرالزور الى الموصل. أي هيروشيما هناك؟
لا تسويات الا فوق الأنقاض. هذه هي نظرية هنري كيسنجر. ثنائية الحقيبة والدبابة. ألم يسأل زبغنيو بريجنسكي، غداة اعلان جورج بوش الأب قيام النظام العالمي الجديد، «الى أين يقودنا وحيد القرن؟».
هل نتوقع، اذاً، والأميركيون يمدون أيديهم، في وضح النهار، الى الحوثيين، أن تنتقل التسوية من جبال صعدة الى ضفاف المتوسط ؟ من لا يعلم أن الأميركيين الذين يضرمون النيران اياهم الذين يخمدونها؟
كل العرب تقريباً في العربة الأميركية. يفترض أن يكونوا في العربة الاسرائيلية. من يعترض؟ لطالمنا رددنا أن أميركا نسخة بشرية عن القضاء والقدر. تحيي من تشاء وتميت من تشاء. المشكلة أننا لا نعلم ما اذا كنا الأحياء أو ما اذا كنا الأموات. دعونا نستعيد قول دانتي في «الكوميديا الالهية»، «في أروقة الجحيم، رأيت بشراً لا يعيشون ولا يموتون».
رهاننا ما أوحى به وزير الدفاع السابق الجنرال جيمس ماتيس «دونالد ترامب جعل من الأميركيين قبائل تقاتل بعضها البعض». هل نرى حملة السواطير، ذات يوم، يطاردون الليدي غاغا على أرصفة بيفرلي هيلز؟!
الديار – نبيه البرجي










