لا تزال صفقة القرن تمثل حلما يراود الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يكف عن استغلال المناسبات للحديث عن الصفقة وكيف أنه ينتظر الفرصة المناسبة لإطلاقها بعد الانتهاء من انتخابات الكنيست الإسرائيلي ومعرفة اسم رئيس الوزراء الصهيوني الجديد، وفي محاولة أخيرة لإنقاذ تلك الصفقة وبعث الروح فيها من جديد، قام مؤخرا صهر الرئيس ترامب بزيارة عاجلة إلى منطقة الشرق الأوسط من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعطاء قبلة الحياة لتلك الصفقة، خصوصا بعد فشل مؤتمر البحرين الاقتصادي، وعجز الإدارة الأميركية عن إقناع شركائها في المنطقة بالصفقة، بالرغم من حضور بعضهم، ولكن يبدو أن الحضور لم يكن بغرض “التبني” بقدر ما كان محاولة لإرضاء الشريك الأميركي، وتفويت الفرصة على الرئيس ترامب المتربص بدول المنطقة، وذلك على أساس أن الوقت المتبقي له في البيت الأبيض لن يكون كافيا لتمرير الصفقة، وأن الحنكة السياسية تستوجب “المراوغة” إلى أن تنتهي تلك الفترة.
الإدارة الأميركية باتت تستشعر توجهات دول المنطقة، ما دفع ترامب للبحث عن بدائل لإقناع بعض الدول العربية بتمويل الصفقة وتبنيها تمهيدا لإعلانها وتمريرها، وذلك من خلال دعوة الدول العربية لاجتماع في “كامب ديفيد” للإعلان عن تفاصيل الصفقة السياسية.
الحقيقة أن تلك الزيارة وغيرها من أحاديث لا يتوقف الرئيس ترامب عن التصريح بها تعكس العديد من الأمور في مقدمتها عدم إدراك الإدارة الأميركية الحالية لطبيعة القضية الفلسطينية وأهميتها، ليس للشعب الفلسطيني فقط؛ ولكن كذلك للشعوب العربية والإسلامية، وأنها تتعدى مسألة الأرض إلى العقيدة والمقدسات، وأنه ليس بمقدور حكومة ولا نظام ولا حتى شعب التخلي عن الثوابت التي ضحى لأجلها الآلاف من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وأنه ما لم يكن هناك سلام عادل وشامل فلن يكون هناك استقرار ولا أمن في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ما يعني أنه حتى لو نجح ترامب في إقناع بعض الدول العربية بتمويل الصفقة فلن يكتب لها النجاح.
كما تعكس المواقف العربية والغربية من الصفقة عدم قناعة الدول والأنظمة بمحتواها، وإلا كان كوشنر قد نجح في إقناع الدول العربية والغربية بتمويل الصفقة في مؤتمر البحرين، ووفر على نفسه وإدارته عناء دعوة تلك الدول للولايات المتحدة مرة ثانية من أجل تمويل الصفقة، الأمر الذي بات يشكل إحراجا لتلك الدول وللولايات المتحدة التي باتت تبدو كالمتسول، وهو أمر يسيء لدور ومكانة أميركا في المنطقة والعالم.
ولم يعد يخفى على كل متابع للإدارة الأميركية وسياستها تجاه القضية الفلسطينية أن ترامب والمنظمات الصهيونية العالمية باتت تسابق الزمن من أجل تمرير تلك الصفقة المشبوهة قبل انتهاء ولاية الرئيس ترامب، وذلك على اعتبار أن الظروف السياسية في المنطقة التي تعاني من القلاقل والاضطرابات مهيأة لتمرير تلك الصفقة، خصوصا وأنه لم يعد يُعرف مدى إمكانية فوز ترامب ـ الذي يسعى لإرضاء الصهاينة بأي شكل ـ بفترة رئاسية ثانية.
لقد انكشفت ملامح الصفقة مبكرا، وبات من الصعب على الإدارة الحالية ـ التي تلفظ أنفاسها الأخيرة ـ تمريرها أو حتى إقناع حلفائها بمضمونها السياسي والاقتصادي، ما يعني أن جهود الإدارة الحالية لتمرير تلك الصفقة التي ولدت ميتة لن تكلل بالنجاح، ولن يكون أمام المنظمات الصهيونية العالمية سوى انتظار الرئيس القادم للولايات المتحدة لتحديد الخطوات المستقبلية للصفقة؛ لكن يبقى الإشادة بسياسة “المراوغة” العربية التي أجهضت مخططات ترامب وصهره كوشنر.
د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية












