لواء اسكندرون عربي سوري القلب والنبض والروح والثقافة عربي سوري الأرومة عربي سوري البذار والجنى وجزء عريق لا يمكن فصله عن سورية العروبة ولواء اسكندرون سوري في كل حبة تراب وسوري في كل نبته وكائن حي ودونت سوريته تحت سماءه منذ بدء الخليقة وطبعت عروبته على جميع أوراقه وأزهاره وثماره وتؤكد اللقى والأوابد الأثرية والنقوش الكتابية اسهامات لواء اسكندرون السوري المميزة في إرساء أسس الحضارة الإنسانية العالمية والأديان السماوية الثلاث ومن أرضه أطلق للمرة الأولى في العالم على اتباع النبي عيسى عليه السلام اسم المسيحيين ومن مدن لواء اسكندرون انطلق المبشرون بالمسيحية نحو سائر أنحاء العالم.
المؤرخ الدكتور محمود السيد خبير الآثار وقارئ النقوش الكتابية القديمة في المديرية العامة للآثار والمتاحف يؤكد على أهمية ومكانة الدور العالمي لمدينة أنطاكية المشيدة في الركن الجنوبي الغربي لسهل العمق عند النقطة التي يدخل فيها نهر العاصي في نصرة أتباع الديانة المسيحية ونشر تعاليم الانجيل السمحة في كل بقاع العالم. فإلى أنطاكية وفد المبشرون الأوائل ومنها انطلقت البعثات التبشيرية نحو سائر أنحاء العالم وفيها أطلق على الحواريين لأول مرة في العالم اسم مسيحيين وفيها أقيمت أول كنيسة أممية في العالم وفيها سمي القديس بطرس أسقفا واتخذها مقرا لكرسيه الرسولي وإليه يعود الفضل عالميا في إرساء قواعد المسيحية ونشر تعاليم الانجيل وفي أنطاكية سمي قسطنطين الأكبر أول امبراطور مسيحي في العالم وفيها أنشأ أشهر الكنائس في العالم المسيحي الكنيسة الكبرى “البيت الذهبي” وبفضل أنطاكية أصبحت المسيحية أهم دعائم الإمبراطورية الرومانية وفيها ظهر آباء الكنيسة وظهر قديسي الأعمدة للمرة الأولى في العالم. وكانت أنطاكية بتنوعها الاثني والقومي مثالا حيا للتعايش الديني السلمي والأخوي الذي تتميز به سورية في جميع مدنها عبر جميع العصور التاريخية وكانت أنطاكية خلال تطور المجتمع المسيحي حلقة وصل بين العالم الوثني القديم والعالم المسيحي الجديد ومسرحا لدعاة الغنطوسية وتعاليم بولص السميسطائي التي مهدت السبيل للأريوسية وكان لأنطاكية أيضا دورا مركزيا في نقل التراث الاغريقي العلمي والأدبي والفلسفي والفني إلى العالم وقد كفل نظام الحكم الروماني لانطاكية استمرار تقاليدها الاغريقية الهلنستية في المجالين الاجتماعي والثقافي.

وتقع مدينة أنطاكية البالغ مساحتها 36 كيلو متر مربع شمال غرب سورية في لواء اسكندرون على بعد 30 كم عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط ويحدها غربا نهر العاصي وشرقا جبل سلبيوس الذي يعد جزءا من جبل الأقرع وتمثل المركز الإداري للواء اسكندرون ويقسم نهر العاصي المدينة إلى قسمين قسم شرقي “أنطاكية القديمة” وقسم غربي “أنطاكية الحديثة”
ويؤكد الدكتور السيد أن مدينة أنطاكية من أهم وأغنى مدن اللواء في الإرث الحضاري والثقافي والتاريخي والأثري والديني والعمراني فضلا عن كونها واحدة من أهم مدن بلاد الشام وآسيا الصغرى كونها تمثل مفتاح بلاد الشام بحكم وقوعها على أول طريق الشام للقادمين من آسيا الصغرى وتحكمها في الطرق الواقعة في المناطق الشمالية للشام؛ وأشهر مدينة من بين 16 مدينة في العالم حملت نفس الاسم ومركزا هاما من مراكز الحضارة الاغريقية والرومانية وعاصمة سورية قرابة العشرة قرون قبيل الفتح الإسلامي وأهم المراكز التجارية والاقتصادية في المنطقة ومركز محوري للتبادل التجاري بين الشرق والغرب بحكم وقوعها على ملتقى أهم الطرق التجارية وقربها من البحر الأبيض المتوسط وموانئ السويدية واللاذقية وهذا ما جاء في جغرافية سترابون وفي خطب ليبانيوس وهذا ما أثبتته نتائج التنقيبات الأثرية في منطقة المينا وصابوني عند مصب نهر العاصي وفي تل عطشانة “مملكة ألالاخ” وغيرها من المواقع الأثرية المنتشرة في لواء اسكندرون حيث تم العثور بكميات كبيرة على فخار موكيني وقبرصي يؤرخ بعصر البرونز، فطبيعة التكوين الجغرافي لسهل العمق الخصب والغني بالمياه فرضت أن تمر من خلاله جميع حركة التجارة ويتم من خلاله الانتقال بين الجزء الجنوبي من الأناضول والجزء الساحلي أو الغربي من سورية وفلسطين والانتقال من الجزء الشمالي لبلاد ما بين النهرين والبحر المتوسط وبذلك تحكمت أنطاكية قديما بفضل موقعها بشبكة الطرق البرية الحربية والاقتصادية بالطرق القادمة من الشمال إلى الجنوب وبنهر العاصي وكانت تصل بين مصر والأناضول مع الأخذ بالحسبان أن نهر العاصي كان في العصور القديمة صالحا للملاحة من مصبه إلى أنطاكية وازدهرت به حركة النقل نهرا وساهمت في ازدهار الحياة التجارية للمدينة وقد تغير مجراه بفعل الزلازل وامتلاء قاعه ولم يعد اليوم صالحا للملاحة. وتشير المعطيات التاريخية واللقى الأثرية المكتشفة في أنطاكية خصوصا وفي عموم مناطق لواء اسكندرون السوري المحتل أن مدينة أنطاكية كبرى مدن اللواء قد عرفت الاستيطان البشري منذ عصر البرونز القديم وكانت جزءا من الإمبراطورية الآكادية القديمة ثم خضعت لحكم الإمبراطورية الحثية والآشورية والفارسية. وبعد وفاة الاسكندر المقدوني عام 323ق.م اقتسم كبار ضباطه الإمبراطورية التي أسسها وكانت سورية وبابل وفارس من نصيب سلوقس الأول نيكاتور واخذ بطليموس مصر وفلسطين، في حين استولى انتيغون على مقدونيا القديمة وآسيا الصغرى وبادر في عام 317 ق.م بإنشاء مدينة الاسكندرونة بين العاصي ومخرج بحيرة أنطاكية، ثم احتلها سلوقس نيكاتور وأقام مكانها مدينة أنطاكية تكريما لاسم أبيه أنطوخيوس وأصبحت أنطاكية في العصر الهلنستي قلب وعاصمة الإمبراطورية السلوقية التي امتد نفوذها من البحر المتوسط إلى الهند.
وبحسب خبير الآثار السوري تعتبر أنطاكية ثالث أهم مدن العالم القديم بأسره بعد مدينتي روما والقسطنطينية من حيث الثروة والعلم والتجارة والعمران فهي مدينة رئيسية منذ نشأتها الأولى على يد سلوقس نيكاتور في العام الثاني عشر من حكمه عام 300 ق.م الذي بنى فيها أيضا معبد زيوس بوتيايوس وعهد إلى المهندس المعماري زيناريوس تخطيط المدينة والشوارع وفقا لطريقة التخطيط الشبكي التي ابتكرها هيبوداموس مهندس المدن الشهير وتقوم على تقسيم شوارع المدينة بحيث تتعامد الشوارع على بعضها البعض وإقامة أسوار المدينة وفقا لتصميم مستقيم الأضلاع وشيدت المباني على الأرض المستوية بقرب نهر العاصي لتفادي ما تجرفه المياه أثناء انحدارها من جبل سيلبيوس واتخذت المدينة شكلا بيضاويا بين النهر والشارع الرئيسي وعلى شاطئ النهر أقيمت ساحة السوق “الأجورا” والتي يشغلها اليوم الحي الصناعي التجاري في المدينة الحديثة. وعهد إلى النحات الشهير يوتيخيديس بنحت تمثال ربة حظ أنطاكية توخي وحاميتها ورمز النجاح والخصب والرخاء وقد نحت التمثال من البرونز وتبدو فيه الربة مرتدية ثوبها الطويل وهي تجلس على صخرة تمثل جبل سيلبيوس وتمسك في يدها حزمة من القمح وفوق رأسها تاج يتخذ شكل سور المدينة ذو الأبراج وتحت قدميها مجرى للمياه يمثل نهر العاصي الذي تطل عليه المدينة وبعد وفاة سلوقس نيكاتور 291/290 ق.م خلفه ابنه أنطيوخوس الأول وازدادت في عهده أهمية ومكانة أنطاكية وفي عهد أنطيوخوس الثاني (286-246 ق.م) زار أنطاكية بطليموس الثاني ملك مصر وفي عام 246 ق.م احتل بطليموس أنطاكية ثم دحر عام 244 ق.م على يد سلوقس الثاني الذي تخلى عن آسيا الصغرى عام 236ق.م لتصبح أنطاكية المقر الرئيسي لدولة السلوقيين وتأسس فيها دار الكتب العامة وفي عهد أنطيوخوس الأكبر ازدهرت انطاكية وتربعت على قمة المدن السورية وزارها عام 195 ق.م القائد القرطاجي الشهير هانيبال وأخذت تنافس الإسكندرية في كل شيء وكتب للمرة الأولى في تاريخ المدينة اسم أنطاكية جنبا إلى جنب مع اسم الملك وأنشأ في أنطاكية حيا جديدا مزود بساحة إضافية للسوق (أجورا) ليصبح بذلك في أنطاكية مركزين للأجورا وأقيم في الحي الجديد مجلس للشورى ومعبد للإله جوبتير وفي سنة 195 ق.م بني مضمار خاص للألعاب الأولمبية في منطقة دفنه, إحدى ضواحي مدينة أنطاكية.

وقبل انتشار المسيحية بحسب الدكتور السيد ازدهرت في أنطاكية الديانة والفلسفة الهلينية وعبادة زيوس وأبولو وبعل والالهة الأم وفي عهد أنطيوخوس الرابع ابيفانس (163-175ق.م) حققت أنطاكية ازدهارا تجاريا واداريا وثقافيا وعمرانيا وعلميا وفنيا كبيرا لا نظير له، وزادت قوة ومكانة الهلينية وعبادة الحاكم وزيوس كبير الآلهة ورب الأرباب وسكت لأول مرة في أنطاكية عملة حملت كلا من اسم المدينة واسم الملك. وكانت أنطاكية في العصر السلوقي أكبر مدينة في الشطر الشمالي الغربي من سورية وعاصمة السلوقيين ومركزا هاما من النواحي العسكرية والادرية والتجارية. وفي عهد الملك الأرمني تيجران الذي احتل أنطاكية من عام 83-69 ق.م سكت في أنطاكية عملة طبع عليها صورة الالهة توخي أنطاكية كما صورها يوتوخيدس لأول مرة في تاريخ مدينة أنطاكية. ومنذ عام 64 ق.م وقعت أنطاكية تحت نفوذ
الامبراطورية الرومانية وأصبحت مركزا إقليميا مهما لها واتخذها الرومان عاصمة لحكمهم في سورية. فكانت أنطاكية إحدى العواصم الثلاث للإمبراطورية الرومانية وثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية من حيث الأهمية والحجم وبسبب أهمية واستراتيجية موقعها وقوة تحصيناتها ارتكز عليها الرومان في دفاعهم عن حدود الإمبراطورية الرومانية الشرقية وصد هجمات الفرس واتخذوها منطلقا لشن هجماتهم ضد الفارطيين واتخذتها الدولة البيزنطية عاصمة لمنطقة بلاد الشام بكاملها ولعدة قرون. ويعتبر الشارع الروماني الرئيسي ذي بوائك الأعمدة في أنطاكية والبالغ طوله ميلين من أقدم الشوارع العريضة الفخمة في العالم. وبنهاية عهد الامبراطور تيبريو (14-37م) تحولت أنطاكية إلى مدينة إغريقية رومانية. وكانت أنطاكية من معاقل الهلينية في الشرق ومن معاقل الوثنية التي تشير الدلائل على استمرار هذه العبادة وطقوسها حتى القرن السادس الميلادي وكانت تضم معابد شهيرة كما في دفنة ومورست فيها الألعاب الأولمبية.
وأشار المؤرخ السوري إلى وجود جماعة كبيرة من اليهود في أنطاكية ومن بينهم ظهر المسيحيون الأوائل وأصبحت أنطاكية أهم مركز للمسيحية بعد القدس وخاصة بعد موت استفانوس الشهيد وهروب المسيحيون من القدس إلى أنطاكية وتبشيرهم بالإنجيل لليهود واليونانيين المقيمين هناك وكان نيقولاوس المنحدر من مدينة أنطاكية والذي اهتدى من الوثنية إلى اليهودية ثم صار شماسا مسيحيا في القدس من أوائل الشمامسة في العالم ومرورا بدمشق التي ظهر فيها القديس حنانيا أول مطران للمسيحية في العالم اتجه إلى أنطاكية تلاميذ النبي عيسى عليه السلام منذ عام 34 م وكانت كنسية القدس قد أوفدت برنابا ليقود العمل التبشيري في أنطاكية ودعا بولس معه ليعاونه في الوعظ والتعليم وبدأت جهود برنابا وبولس بالتبشير للدين الجديد حوالي سنة 40م وأصبحت أنطاكية بذلك مركز الرسالة العالمي ونقطة الانطلاق للتبشير بين الأمم وفيها أسّس بطرس الرسول مع بولس الرسول الذي تنصر في دمشق، الكرسي الأنطاكي المقدّس ونشر فيها الرسول بطرس تعاليم الإنجيل ومن أنطاكية انطلق الانجيل إلى العالم وهي أول مدينة في العالم أطلق فيها على اتباع اليسوع عليه السلام اسم المسيحيين حوالي عام 42/43 للميلاد وكانوا قبل هذا التاريخ يلقَّبون بالناصريّين. وكان يرأس المسيحيون الأوائل في أنطاكية أسقف وهو أحد تلامذة المسيح أو أحد من انتدبهم التلامذة وتمثل أنطاكية أحد الكراسي الرسولية في المنطقة وتلقب طوائف السريان الأرثوذوكس والأرثوذوكس الشرقيون والسريان الكاثوليك والروم الكاثوليك والسريان الموارنة ب”بطريرك أنطاكية”. وخلال تطور المجتمع المسيحي كانت أنطاكية بمثابة حلقة الاتصال بين العالم الوثني القديم والعالم المسيحي الجديد ومسرحا لدعاة الغنوسطية وتعاليم بولص السميسطائي التي مهدت السبيل للأريوسية.
وتحدث المؤرخ السوري عن إرسال كنيسة أنطاكية للرسول بولس في ثلاث رحلات تبشيرية وفي أنطاكية أسَّس القديس بطرس الشخصية الرئيسية في التاريخ الباكر للطائفة المسيحية أول أسقفية وأصبح أول أساقفتها فهو أول من زار أنطاكية من الحواريين الاثني عشر وفي عام 45 جلس بطرس الرسول كأوّل بطريرك على أنطاكية واستمرّ حتى العام 53م حين خلفه تلميذه أفوديوس وجعلها برنابا ومرقص وهم من تلامذة المسيح السبعين عليه السلام قاعدة انطلاق للتبشير في آسيا الصغرى وبلاد الاغريق وإيطاليا وفي عام 46 م حققت الطائفة المسيحية في أنطاكية قوة ونفوذ مكنها من إرسال المعونات المالية للمسيحيين في القدس وكانت مقراً للمبشر القديس بولس من عام 47م إلى عام 55 م، وباتت مركز الصراعات اللاهوتية. وفي أنطاكية استخدم للمرة الأولى في العالم عبارة الكنيسة الجامعة فمع تغيب بطرس وبولس عن أنطاكية لدواعي التبشير، عين في كنيسة أنطاكية أسقفين هما: أفوديوس أسقفاً على المسيحيين من أصل وثني، وأغناطيوس أسقفاً على المسيحيين من أصل يهودي، ثم اتّحد الطرفان برباط الروح تحت رئاسة أغناطيوس النوراني بعد سنة 68م لذلك أطلق على كنيسة أنطاكية عبارة الكنيسة الجامعة وتعتبر كنيسة أنطاكية أقدم الكنائس المسيحية وأشهرها بعد كنيسة القدس، وازدادت أهميتها عام 70 م بعد خراب كنيسة القدس على يد تيطس الروماني. وعندما تحدت تدمر سيطرة الرومان على سورية جرت المعركة الفاصلة على أرض أنطاكية وفيها قضي نهائيا على قوة تدمر ووقعت زنوبيا في الأسر.
وسجل عام 312م بحسب الدكتور السيد شهادة أكبر شهداء المسيحية في العالم شهرة وهو القسيس والعالم البارز لوقيانوس الأنطاكي والذي توفي تحت التعذيب والتنكيل وكان أحد المعلمين الأوائل وتميزت مؤلفاته بالضبط والايضاح وسهولة القراءة ووضوح المعنى ودقة التعبير بما لا يفسح مجالا للتأويل والتفسير وبفضل أعماله تقدمت دراسة اللاهوت في مدينة أنطاكية لتنافس مدرسة الإسكندرية في هذا الميدان فمدرسة أنطاكية اتبعت في تعاطيها مع الكتب المقدسة أسلوب التفسير البياني للنصوص وتأكيد معانيها الحرفية بعكس الأسلوب التأويلي الذي اعتمدته مدرسة الاسكندرية ولوقيانوس من أوائل من قام في العالم بتحقيق وتنقيح نص التوراة والذي اعتمد في بطريركية أنطاكية وبطريركية القسطنطينية وكانت هذه النسخة هي الأصل الذي نقلت عنه الطبعة الأولى من الكتاب المقدس وهومن أوائل من ترجم في العالم الكتاب المقدس من العبرية إلى اليونانية وكان لاهتداء قسطنطين الأكبر (306-337م) وإصداره براءة ميلان عام 313م وتحرر الكنيسة من قيودها وبناءه لكنيسة أنطاكية الكبرى المثمنة الأضلاع وافتتاحه عصر المجالس الكنسية الكبرى التي تولت أمر التوجيه والإرشاد نصرا كبيرا للمسيحية ونقطة تحول جوهرية في تاريخ الإمبراطورية الرومانية وإيذانا بدخول أوروبة النصرانية مرحلة تاريخية جديدة أصبح فيها نظام الحكم الامبراطوري المسيحي يرتكز على أسس وجذور سياسية جديدة وبدأت الحياة الدينية تستمد مبادئها من الكتاب المقدس. ونشأ في القرون الأولى للميلاد النظام الكنسي فسمي أسقف المدينة الرئيسة بالمتربوليت أي أسقف أم المدن. وفي القرن الرابع اعتبرت كنيسة إنطاكية أهم كنائس المسيحية بعد روما والإسكندرية، وعن طريق المجامع الإقليمية والمسكونية ربطت الأسقفيات بالمطرانيات وحدّدت سلطة الكراسي الرسولية الكبرى المتساوية بالسلطة في أنطاكية والإسكندرية ورومية والقسطنطينية في مجمع نيقية الأول أو المجمع المسكوني الأول المنعقد عام 325م في قانونه السادس. وأطلق على أسقف كل منها في أواسط القرن الخامس لقب بطريرك ومعناه رئيس الآباء. وكانت أنطاكية أول مدينة في الامبراطورية الرومانية بنت كاتدرائية فخمة (بين 327-341م) مع قبة من الموزاييك. وتبع كنيسة أنطاكية في القرن الخامس 153 أسقفا، وامتدّت بطريركيّتها من جبال طوروس حتى حدود مصر. ولذلك سُمّيت ببطريركية أنطاكية وسائر المشرق. وكانت ولاية البطريرك الإنطاكي تشمل أول الأمر، معظم الشرق الأوسط عدا مصر ووسط وغرب تركيا حاليًا، وفي فجر المسيحية كانت اللغة السريانية لغة أهل أنطاكية الأصليين ولغة اليهود المهاجرين إلى أنطاكية واللغة التي استخدمتها كنيسة أنطاكية في طقوسها الدينية، وفي إقامة خدمة أول قداس كتبه بالسريانية مار يعقوب.
ولفت الدكتور السيد أنه في سنة 431م حرم مجمع أفسس تعاليم نسطور بطريرك القسطنطينية الذي زعم أن السيد المسيح هو أقنومان وطبيعتان، وتحزب له يوحنا بطريرك أنطاكية وعدد من أساقفة سورية، ومعظم أساتذة مدرسة الرها وتلامذتها، وانتشرت تعاليمه في بلاد المشرق ولم يسلم منها سوى تكريت وأرمينية، وألفوا كنيسة انسلخت عن الكرسي الأنطاكي سنة 498م وأقامت لها رئيساً أطلق على نفسه لقب (جاثليق) وكان مقره في سلوقية القريبة من المدائن ونقل مقره سنة 762م إلى بغداد وفي أوائل القرن الخامس عشر نُقل إلى القوش وسنة 1561 إلى أرمية. وفي أعقاب مجمع خلقيدونية عام 451م فصلت كنيسة القدس، بشكل إداري وبات رئيس أساقفتها هو بطريرك القدس وانقسمت الكراسي الرسولية الأربعة إلى قسمين ضم القسم الأول كرسي رومية وكرسي القسطنطينية وتكون القسم الثاني من كرسي أنطاكية وكرسي الإسكندرية واللذين ظلا متحدين بالإيمان حتى اليوم ولكل منهما رئاسته الخاصة واستقلاله التام ومنذ عهد مكسيموس وحتى سنة 512م اعتلى الكرسي الانطاكي بطاركة تبعوا عقيدة مجمع خلقيدونية وانقسم السريان من حيث العقيدة الدينية إلى قسمين، وانقسمت اللغة السريانية أيضاً من حيث لفظها وقلمها إلى قسمين يعرفان بالتقليدين الغربي “بلاد الشام الغربية” والشرقي “بلاد ما بين النهرين الشرقية والعراق وأذربيجان”. وقطع القسم الشرقي علاقته مع الكرسي الأنطاكي، باستثناء العراق. وبعد وفاة قسطنطين الأكبر عام 337م قسمت الإمبراطورية الرومانية من جديد واحتفظ قسطنطينوس بالشرق واتخذ من أنطاكية مقرا له وعاصمة لملكه ومركزا لقيادته. وتفتخر أنطاكية بالقديس سيميون ستوليتس الأكبر أول وأشهر قديسي الأعمدة في العالم. وبدءا من سنة 518م تبدأ سلسلة البطاركة البيزنطيين وهم (الروم الأرثوذكس) وكان أغلبهم سرياناً، وفيهم قسم من الجاليات اليونانية وظل مقر الكرسي الأنطاكي مدينة أنطاكية حتى سنة 518م ، ثم نقل إلى أديرة ما بين النهرين ثم نقل في القرن الثالث عشر إلى دير الزعفران قرب ماردين في تركيا، واستقر سنة 1959 في دمشق.
ويعتبر الدكتور السيد أنه في أنطاكية حققت الحضارة الاغريقية المسيحية أوج ازدهارها في عهد يوستينيانوس الأكبر (565-527م) حيث تم توحيد الكنيسة والدولة وكانت ثمرة الجهود المبذولة سابقا من قبل قسطنطين الرابع وثيودوسيوس الأكبر الذي جعل المسيحية الديانة الرسمية في الدولة وأبطل عبادة الأوثان وتأسست في مدينة أنطاكية مدرسة لاهوتية كبرى. ومن أنطاكية انتشرت المسيحية نحو الغرب ومن أنطاكية ينحدر أعظم قادة الكنيسة المسيحية كأمثال أغناطيوس أسقف أنطاكية الذي استشهد في روما، ويوحنا كرسستم “فم الذهب” الواعظ المسيحي الذي ذهب إلى القسطنطينية. ونظرا لموقعها الهام وأهميتها الاستراتيجية الكبيرة كونها تقع على أول طريق الشام للقادمين من آسيا الصغرى احتلها الساسانيون سنة 540 م. وبعد الفتح الإسلامي عام 637/638م نقل العرب العاصمة من أنطاكية إلى دمشق لأسباب لوجستية متعلقة بالغزوات الصليبية والبيزنطية المتكررة على أنطاكية وخضعت لحكم الخلافة الأموية في دمشق، ثم الخلافة العباسية في بغداد. وفي القرن السابع حدث خلاف بين أتباع المجمع الخلقيدوني في منطقة الكرسي الأنطاكي، بسبب ظهور تعليم المشيئة الواحدة والمشيئتين في المسيح، وانفصل على أثرها الرهبان الموارنة في لبنان وأقاموا لهم بطريركية خاصة. وفي عام 877م سيطر على أنطاكية الطولونيون ثم الحمدانيون ثم البيزنطيون الصليبيون عام 969م، ثم احتلها الأرمن عام 1078م بقيادة الجنرال فيلاريتوس براكاميوش الذي أسس فيها امارة امتدت حدودها من أنطاكية إلى إديسا, وبعد سبع سنوات من حكم الأرمن لانطاكية استولى عليها السلاجقة الروم عام 1085 م وأثناء الحملات الصليبية على سوريا دخلها الفرنجة عام 1098م بعد أن حاصرها بوهيموند، ليصبح أول حاكم صليبي لها مكونا إمارة أنطاكية وهي أول إمارة صليبية. وتحولت أنطاكيا إلى إمارة مهمة أدار الصليبيون منها هجماتهم على المشرق الإسلامي فسقوط أنطاكية بأيديهم فتح لهم الطريق إلى بلاد الشام ورغم كون أنطاكية مدينة داخلية غير ساحلية لكنها تقع على مقربة جدا من البحر الأبيض المتوسط وموانئ السويدية واللاذقية مما يجعل من اليسير والسهل وصول المؤن إليها عن طريق البحر. وبعد احتلال الفرنجة لأنطاكية تنقّل السريان الأرثوذكس في بلاد الشام منذ القرن الحادي عشر الميلادي ثم استقروا في دمشق وبقيت مدينة أنطاكية في يد الصليبيين في الفترة الواقعة بين القرنين الثاني والثالث عشر للميلاد.
وبحسب المؤرخ السوري انضم في القرن الثاني عشر الرهبان الموارنة في لبنان إلى الكرسي الروماني وسموا بطريركيتهم ببطريركية أنطاكية. وكانت أنطاكية خلال مراحل تطور المجتمع المسيحي بمثابة حلقة الاتصال بين العالم القديم والعالم الحديث. وتحدث الجغرافي الادريسي (1166-1100م) في كتبه بشكل موسع عن أنطاكية وميناءها السويدية وازدهار الحركة التجارية فيه ودون معلومات قيمة عن الحج المسيحي في مدينة أنطاكية وقد احتاج الحجاج الأوربيون للموانئ الساحلية من أجل الوصول عن طريق أنطاكية إلى المدن الداخلية التي احتوت على المزارات الدينية المقدسة لدى المسيحيين ومازالت حتى الآن عاصمة للكنائس المسيحية الشرقية وأحد أهم المراكز الحضارية في العالم القديم للتبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب وبعد احتلال الفرنجة لأنطاكية وتدمّيرها على يد المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268م غادرها بطاركة المشرق وأقاموا في دمشق وانتقلت بطريركية الروم الأورثوذكس من أنطاكية إلى دمشق في غرّة القرن الرابع عشر الميلادي وفي عام 1344م نقل الكرسي الانطاكي المقدس إلى مدينة دمشق. وفي عام 1401 هاجمها المغول وتضررت المدينة كثيرا بعد حملة تيمورلنك على بلاد الشام وضمها السلطان سليم الأول للحكم العثماني عام 1516م وألحقها بولاية حلب، وأصبحت في عام 1517 من أهم المراكز التجارية المزدهرة في الإمبراطورية العثمانية. ومنذ عام 1534م وإلى يومنا هذا لا تزال كل كراسي أنطاكية الأسقفية بيد اليونانيين. وفي أوائل القرن السابع عشر تشعبت البطريركية السريانية الأنطاكية، وخرجت عنها في حلب فئة بتحريض الرهبان الكبوشيين وبمساعدة قنصل فرنسا، وقصدوا مطراناً مارونياً سنة 1657م فرسم لهم القس أندراوس اخيجان الأرمني المارديني الأصل أسقفاً نادوا به بطريركاً بعدئذ، وبه تبتدئ سلسلة بطاركة السريان الكاثوليك. وفي أوائل القرن الثامن عشر حدث خلاف آخر في صفوف الروم الأرثوذكس أدى إلى ترك بعضهم بطريركيتهم وأتباعهم الكرسي الروماني وأقاموا لهم بطريركية خاصة دعوها ببطريركية أنطاكية وأطلقوا على أنفسهم اسم الروم الكاثوليك. وبعد موت البطريرك طاناس عام 1724م ينتخب في أنطاكية منذ ذلك التاريخ وإلى الآن بطريركيان أحدهما أرثوذكسي والآخر كاثوليكي ويعيش في مدينة أنطاكية اليوم طائفة الروم الأنطاكيون وهم مسيحيون عرب ومن أقدم الجماعات المسيحية في العالم.
وفي الفترة الواقعة بين 1830-1840م خضعت المدينة لحكم والي مصر محمد علي عندما سيطر على ولاية الشام وظلت أنطاكية خاضعة للحكم العثماني حتى عام 1918م.وأنطاكية هي جزء من سورية في جميع الخرائط القديمة التي سبقت توقيع هدنة مودروس في نهاية الحرب العالمية الأولى والتي أصبحت أنطاكية بموجبها مدينة ضمن الإمبراطورية العثمانية. وبعد الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال التركية وقعت المدينة تحت الانتداب الفرنسي لسورية في معاهدة سيفر ثم منحت المعاهدة الفرنسية التركية المدينة الحكم الذاتي. ثم خضعت للاحتلال التركي عام 1939م.
ولفت السيد أن مدينة أنطاكية تعد أحصن مدن بلاد الشام وثاني أحصن مدينة في العالم القديم بعد مدينة القسطنطينية فالجبال العالية تحيط بها من جهتي الجنوب والشرق ويحدها من الغرب نهر العاصي وتحيط بها من الشمال المستنقعات والأحراش فضلا عن الأسوار العالية التي تحيط بها من كل جانب لكن هذه القلعة الحصينة كان لها ثغرة وحيدة تمكن المهاجم من اقتحامها فجبل سيلبيوس الذي يشكل بجانبه المجاور للمدينة سورا ضخما يحمي المدينة لكنه في جانبه الآخر البعيد عن المدينة يكون الانحدار أقل شدة من السفح إلى القمة وبالتالي من اليسير الصعود إلى قمة الجبل من هذا الجانب دون جهد كبير وبذلك يكون العيب الوحيد لتحصينات المدينة حيث يمكن الاستيلاء عليها من ناحية الجبل وهذا ما فعله الفرس في القرن الثالث والقرن السادس الميلادي. وعندما استولى الصليبيون على أنطاكية حصنوها بسور طوله 12 ميلا وعليه 136 برج للمراقبة ويوجد على هذه الأبراج 24 ألف شباك لإطلاق السهام والرماح والقذائف.
ويؤكد المؤرخ السوري امتلاك أنطاكية ارثا حضاريا وثقافيا اسلاميا كبيرا فهي تمتاز بطابعها العمراني الإسلامي الشرقي والذي يعكس تطور فن العمارة العربية الإسلامية عبر العصور المختلفة ولأنطاكية أهمية وقدسية كبيرة لدى مسلمي العالم ولقد أجمع المفسرون والباحثون في المذاهب والأديان بجامعة الأزهر بمصر على أن القرية المقصودة في سورة يس “الآيات 20-27” هي مدينة أنطاكية التي سكنت زمن النبي عيسى عليه السلام من قبل أقوام يعبدون الأصنام ويؤمنون بالتطير فأرسل إليهم النبي عيسى عليه السلام اثنين من الحواريين المقربين له ليهديهم إلى الصراط المستقيم.
عماد الدغلي










