على خلفية المكالمة السرية التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أجل فتح تحقيق في نشاطات هانتر بايدن ابن منافس ترامب المحتمل في الانتخابات الرئاسية جو بايدن، يكبر جبل الجليد وتحديدًا بين الحمار (شعار الحزب الديمقراطي) والفيل (شعار الحزب الجمهوري)، فقد التقط الديمقراطيون الخيط الذين يرون أن من خلاله يمكنهم أن ينالوا من ترامب، سواء بالعزل أو الاستقالة، قادحين زناد الذاكرة في ذلك بإمكانية إسقاط فضيحة “ووتر جيت” عام 1972 مع الرئيس ريتشارد نيكسون على خصمهم اللدود دونالد ترامب وجعل من مكالمته السرية مع الرئيس الأوكراني فضيحة “ووتر جيت” ثانية، حيث كان ترامب يهدف من ذلك القضاء على منافسه جو بايدن وتشويه صورته أمام الناخب الأميركي ورفع أسهم حظوظه في الفوز بولاية رئاسية ثانية.
إن من يتتبع طبيعة الممارسات السياسية وغير السياسية التي يتبعها ترامب يجد أنها تبرز بصورة واضحة رغبته في الفوز بولاية ثانية، وذلك عبر محاولته إرضاء الناخب الأميركي من خلال سياسة الحلب لأموال البترودولار التي تمكَّن من نهبها دون وجه حق لتشغيل تروس الاقتصاد الأميركي وتوفير ملايين فرص العمل للأميركيين، وكذلك من خلال تقديم الولاء الكامل والتبعية المطلقة للوبي الصهيوني واسترضائه بشتى الطرق، والسير وراء الصهيونية نعلًا بنعل وكتفًا بكتف، وتأييد كل ما تريده الصهيونية وكيان الاحتلال الصهيوني، بل والدفاع عنه، وتوظيف كل الوسائل الممكنة من سياسة واقتصاد واستخبارات لصالح المطالب الصهيونية وكسب رضاها. لذلك لا نستغرب التحول للولايات المتحدة المكشوف بقيادة الرئيس ترامب باتجاه ما يخدم الداخل الأميركي من الناحية الاقتصادية تحديدًا، وما يخدم الصهيونية العالمية وكيان الاحتلال الصهيوني عبر سلسلة من المواقف التي تؤكد أن لا حليف في المنطقة سوى كيان الاحتلال الصهيوني، والقرارات غير المسبوقة التي أظهرت الوجه الحقيقي للولايات المتحدة والمتمثلة في القرار بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال الصهيوني، والقرار بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، والاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على الجولان السوري المحتل، والعمل مع المحتل الصهيوني على القضاء على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، مع الاستماتة لتمرير ما يسمى بـ”صفقة القرن” التي لم يكشف إلا عن شقها الاقتصادي في المؤتمر الاقتصادي الأميركي في العاصمة البحرينية المنامة. ولا يزال الحديث عن شقها السياسي طي كتمان ساكن البيت الأبيض، الذي يغرد بين فينة وأخرى عن موعد إعلانه. وقد ذكرت في مقال سابق بأن تأجيل ترامب للإعلان عن الشق السياسي لما يسمى بـ”صفقة القرن” من المحتمل أن له علاقة برغبته في مداعبة اللوبي الصهيوني لاعتبارات انتخابية بحيث يحظى برضا هذا اللوبي ودعمه.
طبعًا هذا لا يعني أن الرؤساء الأميركيين من الحزب الديمقراطي أو المرشحين منه للسباق الرئاسي مختلفون في التوجه والممارسة والولاء للوبي الصهيوني وللصهيونية ولكيان الاحتلال الصهيوني، بل إن كل مرشح رئاسي سواء كان ديمقراطيًّا أو جمهوريًّا لا بد أن يمر من بوابة الرضا الصهيوني ولوبي السلاح وشركات النفط.
وفي سبيل الظفر بولاية رئاسية ثانية، والتأثير على حظوظ الخصم الديمقراطي، كال ترامب هجومه ضد منافسه جو بايدن عبر سلسلة تغريدات، ثم خلال مؤتمر صحفي، متهمًا إياه بالفساد. وحسب ما نقل تلفزيون روسيا اليوم، فقد شهد الرئيس الفنلندي، سولي نينيستو، خلال زيارته البيت الأبيض الأربعاء (3/10/2019) على الطريقة التي عبَّر بها نظيره الأميركي المحبط (ترامب) بسبب إجراءات العزل التي تهدد ولايته وتؤثر على إمكانية إعادة انتخابه رئيسًا في العام 2020. وقال ترامب عند استقباله نظيره الفنلندي في المكتب البيضاوي: “ما يحدث إهانة.. هناك وسائل إعلام فاسدة في هذا البلد”! وتابع: “حاولوا عزلي منذ اليوم الذي انتخبت فيه. أتعلمون ماذا؟ لقد فشلوا!”. وأردف: “كل هذه القضية تدور حول محادثة بسيطة!”، في إشارة منه إلى المكالمة الهاتفية التي أجراها في وقت سابق مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال ترامب إن “نجل جو بايدن فاسد، وبايدن فاسد. بايدن لم يكن يومًا رجلًا ذكيًّا، وهو أقل ذكاء اليوم”.
وكان عميل في الاستخبارات قد تقدم بشكوى إلى رؤسائه بشأن مكالمة هاتفية جرت في الـ25 من يوليو بين الرئيس الأميركي ونظيره الأوكراني زيلينسكي. ودفعت هذه الشكوى بالديمقراطيين الذين يسيطرون على مجلس النواب في الكونجرس إلى فتح تحقيق في الـ25 سبتمبر بشبهة إساءة ترامب استخدام سلطته، وسيتقرر بنتيجة هذا التحقيق ما إذا كان المجلس سيصوت على توجيه اتهام رسمي للرئيس، وبالتالي ترك مصيره لمجلس الشيوخ الذي يعود إليه أمر إدانة ترامب وعزله أو تبرئته، وبالتالي استمراره في منصبه.
وفي خضم السجال الانتخابي والهجوم المتبادل على خلفية المكالمة السرية، تعهد جو بايدن، المنافس الأوفر حظًّا لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، بإلحاق هزيمة قاسية بالرئيس الجمهوري دونالد ترامب في انتخابات العام القادم. وقال بايدن الأربعاء الماضي: “دعوني أوضح أمرًا لترامب ورجاله المأجورين وأصحاب المصالح الخاصة الذين يمولون هجماته ضدي.. لن أنسحب.. لن تدمروني، ولن تدمروا أسرتي”. واتهم بايدن الرئيس ترامب بإساءة استخدام السلطة، وقال عن اتهامات الرئيس الأميركي له ولابنه هانتر “إنه أطلقها لأنه خائف، شأنه شأن أي متسلط ومتنمر في التاريخ… إنه خائف من الهزيمة القاسية التي سألحقها به في نوفمبر المقبل”. وكان هانتر بايدن عضوًا في مجلس إدارة مجموعة غاز أوكرانيا حين كان والده نائبًا للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
في تقديري أنه من المبكر القول بإمكانية المضي نحو إجراءات عزل ترامب أو إجباره على الاستقالة، ومن الممكن أن توظف هذه المعركة من قبل اللوبي الصهيوني ضغوطًا على ترامب للسير قدمًا باتجاه ما يريده اللوبي والصهيونية وكيان الاحتلال الصهيوني، وتكريس جهده لاستكمال ما بدأه من خطوات متقدمة لتصفية القضية الفلسطينية مقابل تجنب عزله أو إجباره على الاستقالة، وربما مقابل تجديد ولايته.
الوطن العمانية – خميس التوبي











