لغط كبير مثار حول المنطقة الآمنة التي تطالب بها تركيا على حدودها مع سوريا، إذ في الوقت الذي أكد فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عزمه إقامة تلك المنطقة لتطهير الحدود من الإرهاب وإعادة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم، أعلن البيت الأبيض في بيان له أن القوات الأميركية لن تدعم العملية العسكرية المرتقبة في شمال سوريا ولن تشارك فيها، هذا في الوقت الذي تعارض فيه كل من إيران وروسيا المساعي التركية مطالبين بعودة الحكومة السورية للسيطرة على تلك المناطق وإخضاعها لسيطرتها، ما يفتح المجال أمام تساؤلات عديدة عن مدى قدرة تركيا على إقامة تلك المنطقة، وما يمكن أن تتسبب فيه من توترات وقلاقل أمنية.
وأكثر ما يثير القلق في هذا الشأن هو ذلك الموقف الأميركي والذي يشبه إلى حد كبير موقفها قبيل الغزو العراقي للكويت عندما سئل السفير الأميركي ببغداد عن الموقف الأميركي في حال قام العراق بغزو الكويت وأشار إلى أن هذا شأن عراقي ولا دخل للولايات المتحدة فيه، ليفاجئ الجميع بعد ذلك بقيام الولايات المتحدة بتحشيد المجتمع الدولي ضد النظام العراقي واستمرار الضغط عليه إلى أن تم التخلص منه نهائيا.
وعلى الرغم من أن تركيا ليست العراق، إلا أن الغدر الأميركي لا يمكن توقعه، خصوصا وأن تصريحات الرئيس أردوغان نفسه تشير لعدم وفاء واشنطن بتعهداتها، ما أدى لشعور أنقرة بالإحباط لفشل البيروقراطية العسكرية والأمنية الأميركية في تنفيذ الاتفاق الذي أبرمه الطرفان بشأن إقامة منطقة عازلة على الحدود السورية مع أنقرة.
ففي هذا السياق يمكن للولايات المتحدة أن تعطي لأنقرة الضوء الأخضر لضرب حزب العمال الكردستاني وإخراجه من المنطقة الآمنة، هذا في الوقت الذي تقدم فيه كل الدعم لهذا الحزب من أجل استنزاف تركيا وإدخالها في مستنقع لا يحقق لها الأمن، بل يجرها إلى حروب عصابات لا يمكنها الخروج منها سالمة، ولا يخفى على كل متابع للشأن السوري الدعم العسكري الأميركي الكبير للأكراد في سوريا، وهو ما من شأنه أن يعطيهم القدرة على حماية أنفسهم ومناطق نفوذهم من التدخلات الخارجية، سواء التركية أو حتى الإيرانية، فالولايات المتحدة التي تعتبر مناطق الأكراد مناطق نفوذ خاصة بها لا يمكنها أن تترك الأكراد ولا حتى حزب العمال الكردستاني فريسه في يد الأتراك.
كما ولا يخفى على متابع؛ الانقلاب الذي تم تدشينه في الغرب وتنفيذه في الداخل التركي على نظام الرئيس أردوغان، ما يعني أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة تتربص بالرئيس أردوغان وبحزب العدالة والتنمية، ويعمل الجميع من أجل إسقاطه، وهو ما لن يحدث إلا من خلال توريط أردوغان ونظامه السياسي في حروب وصراعات من شأنها أن تقوض نظامه السياسي.
لذا ما لم يعِ النظام التركي خطورة التهديدات التي تعتري تلك الخطوة، ويعمل على إقامة تلك المنطقة بالتشاور مع الأكراد، خصوصا وأن التصريحات الصادرة عنهم تعبر عن رغبة في التفاوض، فإن المتوقع ألا ينجح أحد في تحقيق الأمن، بل سيعمل الجميع على انتشار الإرهاب، وتقويض أسس الاستقرار في سوريا والمنطقة.
أيمن حسين – الوطن العمانية











