منذ نشأة إسرائيل في أربعينيات القرن الماضي وهي تزعم البحث عن السلام، إلا أن أغلب الاختبارات التي وضعت فيها لتثبت عدم إيمانها بهذه العملية، وذلك ليس خوفا من السلام الذي هو مطلب أغلب الشعوب العربية، ولكن لأنها تفتقد الثقة وتغلب الشك في تعاملها مع القيادات والأنظمة العربية، ولعل ذلك هو ما دفع الرئيس السادات بعد الانتصار المجيد في حرب أكتوبر وتكذيب مقولة جيش إسرائيل الذي لا يقهر لأن يعلن استعداده الذهاب إلى تل أبيب والحديث مع الكنيست الإسرائيلي، لكي يطمئنوا ويعقدوا معاهدة كامب ديفيد للسلام.
وبالرغم من مرور كل تلك السنوا ت إلا أن التفكير الإسرائيلي لم يتغير، وظلت عقدة السلام ماثلة في أذهانهم، ولم ولن تفلح محاولات التطبيع المزعومة التي يسعون وراءها لتحقيق الأمن والاستتقرار للمواطن الإسرائيلي، فتلك الدولة قامت على الخوف وتعيش على الخوف، ولا سبيل لإقامة شراكة حقيقية لا مع الشعب الفلسطيني ولا مع الوطن العربي، طالما يسيطر على النخبة الحاكمة مقولة إن العالم العربي يريد إلقاء إسرائيل في البحر، وإلا كان الأولى القبول بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الخاصة بالسلام العادل والشامل، والموافقة على إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.
لقد قدم الشعب الفلسطيني تنازلات مؤلمة في سبيل تحقيق السلام، وعقد العديد من الاتفاقات مع الحكومات الإسرائيلية المختلفة، ولم تلتزم تلك الحكومات ببنود تلك الاتفاقات وكانت أول من ينقلب عليها عندما تحين الفرص، وفي سبيل ذلك غيرت حتى الشعارات الخاصة بالسلام من الأرض مقابل السلام إلى السلام مقابل السلام، ثم إلى السلام مقابل الأمن.
وليت الأمور تقف عند هذا الحد، بل ولا تترك حكومة إسرائيلية فرصة إلا وتستفز الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة للحصول على رضا المواطن الإسرائيلي، وكأن سياسة القتل والتنكيل بالمواطن الفلسطيني وحقوقه المشروعة في الأرض والحياة قد صارت أوراق انتخابية تتلاعب بها الأحزاب والحكومات، ما يتسبب في مقتل العشرات من المدنيين الأبرياء دون وجه حق.
ولو لدى هذا الكيان ذرة جدية لما احتاج الولايات المتحدة والقوى الغربية للسلام مع العالم العربي، إذ يكفيه أن يعود إلى مبادرة السلام العربية التي سبق وأن طرحتها السعودية خلال القمة العربية المنعقدة ببيروت عام 2002، ولتفاوضت حول بنودها، خصوصا وأن تلك الاتفاقية كانت كفيلة بتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل ووصولها لمراحل متقدمة، ولكن الغطرسة والصلف الإسرائيلي دائما ما يقف عقبة أمام عملية السلام، لا لشيء إلا لأن المفاوض الإسرائيلي يتبع المعادلات الصفرية في تعامله مع العرب، وهو يظن واهما أن بمقدوره الحصول على كل شيء دون أن يعطي أي شيء في المقابل.
وبالرغم من فشل تلك النظرية، إلا انه يصر على مواصلة السير في فلكها، وطالما يفكر بهذه الطريقة فلن يقوم سلاما مع إسرائيل، ولن تنجح عمليات التطبيع التي يروج لها ليل نهار، وسينجح الشعب الفلسطيني إن عاجلا أم آجلا في انتزاع حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967.
د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com











