تسعى دول كثيرة لبناء علاقاتها على أسس جديدة، مرتكزة على مصالح مشتركة مع الجوار، ومع تباين وتصاعد حدة المواجهة الدولية بين أمريكا والقوى العظمى. فكانت العقوبات الأمريكية أحادية الجانب المفروضة على إيران دافعاً لتوطيد العلاقات مع جاراتها، وصولاً لتحالفات استراتيجية أوثق.
وتتجاوز ماهية العلاقة الثنائية الإيرانية – الباكستانية مقاصد ومنافع كل طرف، لتأتي متأثرة بالمسائل والمتغيرات الأمنية والحدودية. فتضع إيران نفسها مجدداً تحت مجهر العالم، بالرغبة للانضمام لمشروع الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني، والذي يعبر عن رؤية الصين الجديدة لبناء شبكة من مشروعات البنية التحتية.
ويهدف المشروع لإنشاء طريق بري يربط مدينة كاشغر الصينية، وميناء جوادر الباكستاني، وصولاً لإنشاء محطة عائمة لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، وتعوّل باكستان على هذا المشروع كثيراً لدفع عجلة اقتصادها وزيادة حجم التجارة، ولطهران أهمية جغرافية لنجاح المشروع، والذي سيسهم في كسر العقوبات عليها.
ويمثل خط أنابيب الغاز الإيراني – الباكستاني قمة الأولويات في المشاريع والمبادرات، التي يمكن تطويرها سريعاً، فتحتاج باكستان عملياً لجميع مصادر الطاقة المستدامة، ولاسيما مع زيادة التباين بالعرض والطلب.
وتشير تقديرات الصناعة إلى هبوط محتمل لإنتاج الغاز الباكستاني، تزامناً مع ارتفاع الطلب، تزامناً مع استمرار نمو الاقتصاد نحو 5% سنوياً. وسيضيف تدفق ملايين الأقدم المكعبة من الغاز الإيراني 4 آلاف ميغاواط من الكهرباء للشبكة الباكستانية عبر خط الأنابيب بين البلدين.
وبالنظر للأهمية الجيوسياسية لكل من إيران وباكستان، فإن الخطط لدمج الممر الاقتصادي الإيراني – الباكستاني مع مشروع الأنابيب يعني أن ميناء جوادر سيكون عقدة لوجستية رئيسية بمبادرة الصين الاقتصادية، مع بقاء إيران المورد الرئيسي للنفط والغاز مستقبلاً، مع التركيز على دعم القوى المناهضة للسياسة الأمريكية وتصاعد تداعيات ونتائج الحرب التجارية.
ويمثل ذلك هدفاً مشتركاً لبكين أيضاً برد فعلي وفوري على الحرب التجارية الأمريكية، بالسعي المتواصل لتوسيع الروابط الاقتصادية وتوفير فرص أفضل للأسواق والشركات غير الأمريكية، وتعزيز روابط سلسلة التوريد، واستبدال السلع الأمريكية بواردات الأسواق الناشئة.
وبعد توجه باكستان لانتقاد السياسة الأمريكية المزدوجة، وقعت إسلام آباد مع طهران اتفاقية لتعزيز التعاملات التجارية بالعملة الوطنية بعيداً عن الدولار، والعمل على إنشاء منطقة تجارية بين البلدين. فالتحذيرات الأمريكية الغاضبة لباكستان تدل على الأهمية العالية للتوازن الجيوسياسي العالمي، بناء على حقيقة أن جميع المشاريع تشكل جزءاً رئيسياً من الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني.
وسيكون غضب أمريكا أسوأ بكثير عند الحديث عن مشاريع أخرى، فالخطة الفعلية هي إنعاش خطوط الطاقة الإيرانية ونقلها إلى الصين عبر باكستان وبقية آسيا. وهذا يمثل أولوية مضاعفة لإيران لمواجهة الغطرسة الامبريالية، وإقامة علاقة أوثق مع الصين وروسيا.
وتالياً، من الأهمية ملاحظة حجم الهروب المتسارع في مسار السياسة والاقتصاد من هيمنة واشنطن المستبعدة من حسابات التداول والتفاوض إقليمياً ودولياً.
ترجمة وتحرير ـ خالد فلحوط – تشرين












