على وقع صوت بكاء وصراخ شق خيوط الظلمة التي فرضتها ساعات التقنين الكهربائي، حضر أهل الحارة وباستنكار شديد مسرحية أبطالها طفل يعاقب بالضرب المبرح لأن الحظ لم يحالفه في الحصول على العلامة التامة في سبر الرياضيات، وأم تبكي بحرقة من دون أن تتمكن من تقديم أي مساعدة لابنها، فالطلاق يهددها، وأب لا يزال حتى اليوم يعتقد أن الضرب هو السبيل الوحيد لتربية أولاده تربية صالحة. ما حصل في تلك الليلة لم يكن الحادثة الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة، فكثر هم الاطفال الذين يتعرضون للضرب لأسباب مختلفة، وبرغم صوت الألم والوجع الذي يصدر منهم فإن المجتمع ينقسم بين فريق يعد أن الضرب مفيد وآخر يخالفهم الرأي من منطلق أن للضرب تداعيات وآثاراً ليست جسدية فحسب، بل نفسية وسلوكية تحرم الطفل الراحة والشعور بالاستقرار، يقول أحد الاشخاص الذين التقيناهم وهو طالب جامعي كان يتعرض للضرب من قبل والده: أبي كان يعد العصا أداة للتربية لكنه لم يدرك أن هذه العصا تتسبب في عذاب النفس الإنسانية، وفي تنشئة جيل إنطوائي وجبان ولديه الرغبة في الانتقام ممن حوله، والتساؤل الذي يطرح نفسه بعد هذا الكلام هل يمكن أن يعدّ البعض من الآباء أن الضرب وسيلة لتربية الأبناء؟
أحد أشكال العنف ضد الأطفال
في وقفة لـ«تشرين» مع الاختصاصي النفسي عبد الرحمن دقو للحديث عن ضرب الأبناء أكد أن الضرب هو أحد أشكال العنف ضد الطفل ينال من جسده كاملاً أو في جزء منه، يستخدمه بعض الأهل أسلوباً لضبط سلوك الاطفال وليس لتربيتهم كما يدّعون، إذ يساهمون في تشويه شخصية الطفل وبنيته النفسية والجسدية أحياناً بما يسببونه من أذى بشكل أو بآخر، وطبعاً تظهر تلك الأعراض في مراحل نمو متقدمة من حياتهم، ومن حيث النتيجة نجد أن العنف الجسدي هذا هو سلوك مؤذ ومخالف للقانون ولمفاهيم التعامل الانساني عموماً وينعكس سلباً على المعنف وأسرته ومجتمعه وخصوصاً في جوانب نفسية مهمة كفرد له الحق في أن ينمو ضمن بيئة آمنة دافئة طبيعية صحية.
تعددت الأسباب والمضمون واحد
وعن الأسباب التي تجعل بعض الأهل يعتمد أسلوب الضرب في التربية، أشار الاختصاصي النفسي دقو إلى أنها مختلفة ومتباينة بين بيئة وأخرى وبين أسرة وأسرة، وهي كثيرة ويقف في مقدمتها غياب أو تدني وعي الأهل لمفهوم الأسرة وتربية الابناء والوالدية، وبطبيعة الطفل ومراحل نموه ومشكلاته وحاجاته، وعدم وعي الأهل بالاضطرابات النفسية والمشكلات السلوكية للأطفال، ليأتي ثانياً الإرث الثقافي من الأهل للزوجين حول أشكال ضبط سلوك الأبناء وليس عن تربية الأبناء والزواج المبكر وعدم أهلية أحد الزوجين أو كليهما لتربية الأبناء، وبالطبع لا يمكن أن نغفل الضغوط النفسية للأهل وتفريغها في الأبناء بمبررات تربوية غير صحية، وتعويض فشلهم عن طريق العنف، وتدخل طرف ثالث في تربية الأبناء لسبب ما بشكل سلبي، كما علينا أن نذكر من الأسباب غياب أحد الوالدين أو وجود مشكلات بين الزوجين أو ظروف تعرضت لها الأسرة وأفقدتها القدرة على القيام بدورها بشكل سوي، أضف إلى ذلك ارتفاع مستوى طموح الوالدين بما لا يتناسب وقدرات الأولاد، وارتفاع مستوى تقدير الأبناء من قبل الآباء بما لا يتناسب مع واقع حالهم، ووجود صعوبة تعليمية قد يواجهها الأطفال وعدم تقبل الأهل لها وعدم الدراية بمعالجة المشكلة، وأخيراً قد يكون الضرب وسيلة الأبوين في كبت قدرات الأطفال بقصد ضبط سلوكهم كما يريدون وبخاصة عند وجود الأطفال ضمن بيئة غنية اجتماعياً ومعرفياً ووجود أسرة متدنية معرفياً وثقافياً.
الآثار النفسية التي يخلفها ضرب الأبناء
ورداً على سؤاله عن الآثار النفسية التي يخلفها ضرب الأبناء، وهل ينجح في تغيير سلوكياتهم؟ أفاد الاختصاصي النفسي دقو بأن الضرب يولد كراهية لدى الطفل تجاه ضاربه ما يقتل المشاعر الإيجابية المفترض أن تجمع بينهما وتقربهما من بعض، كما إن اللجوء إليه يجعل العلاقة بين الطفل وضاربه علاقة خوف لا احترام وتقدير، وهو ينشئ أبناء انقياديين لكل من يملك سلطة وصلاحيات أو يكبرهم سنا أو أكثرهم قوة وهذا الانقياد يضعف الشخصية لدى الأبناء ويجعلهم شخصية أسهل للانقياد والطاعة العمياء، ولاسيما عند الكبر مع رفقاء السوء، أيضاً الضرب يقتل التربية المعيارية القائمة على الاقتناع وبناء المعايير الضرورية لفهم الأمور والتمييز بين الخطأ والصواب والحق والباطل، ويلغي الحوار والمناقشة بين الكبار والصغار ويضيع فرص التفاهم وفهم الأطفال ودوافع سلوكهم ونفسياتهم وحاجاتهم، ومن آثاره أيضاً أنه يحرم الطفل من حاجاته النفسية للقبول والطمأنينة والمحبة، ويعطي أنموذجاً سيئاً للأبناء ويحرمهم من عملية الاقتداء، ويزيد حدة العناء عند أغلبية الأطفال ويجعل منهم عدوانيين، وقد يضعف الطفل ويحطم شعوره المعنوي بقيمته الذاتية فيجعل منه منطوياً على ذاته خجولاً لا يقدر على التأقلم والتكيف مع الحياة الاجتماعية، إضافة إلى أنه يبعد الطفل عن تعلم المهارات الحياتية (فهم الذات – الثقة بالنفس – الطموح – النجاح..) ويجعل منه إنساناً عاجزاً عن اكتساب المهارات الاجتماعية، وأضاف: إن الضرب يقوي دافع السلوك الخارجي على حساب الدافع الداخلي بمعنى إن الطفل يبتعد عن الإخلاص ويقرب من الرياء والخوف من الناس.. فيترك العمل خوفاً من العقاب، ويقوم بالعمل من أجل الكبار… وكلاهما انحراف عن دوافع السلوك السوي الذي ينبغي أن يكون نابعاً من داخل الطفل (اقتناعاً –حباً – إخلاصاً – طموحاً- طمعاً في النجاح وتحقيق الأهداف وخوفاً من الخسارة الذاتية..)، والأخطر أن الضرب قد يدفع الطفل إلى الجرأة على الأب والتصريح بمخالفته والإصرار على الخطأ، وفي الختام يمكننا القول إن اللجوء إلى الضرب هو لجوء لأدنى المهارات التربوية وأقلها نجاحاً، وتصرف لا يصحح الأفكار ولا يجعل السلوك مستقيماً، لذلك نجد أنه يعالج ظاهر السلوك ويغفل أصله.. ولذلك فنتائجه عادة تكون مؤقتة ولا تدوم عبر الأيام.
بناء جسور الثقة والمحبة
ليختم دقو حديثه بالتأكيد على ضرورة توعية الأهل حول دورهم في تربية الأبناء وفهم طبيعة نموهم وتفكيرهم وحاجاتهم، والاقرار بأن الضرب ليس عقاباً إنما هو أذى ومخالفة للقانون وسلوك مرضيّ من الضروري معالجته، والإدراك التام أن هناك أساليب بديلة يمكن اللجوء إليها منها حرمان الطفل من بعض الأنشطة والمهارات المجببة عنده، ومن ألعاب وزيارات وأنشطة ونزهة ولقاء الأقارب أو الأقران وغير ذلك، كما إن عليهم تقدير تصرفات أبنائهم والعمل على تعزيزها بشكل ايجابي وبناء جسور الثقة والمحبة والاقتناع والابتكار وحل المشكلات عن طريق الحوار وليس الضرب.
إلهام العطار











